مركز الثقافة والمعارف القرآنية
445
علوم القرآن عند المفسرين
وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ، ظهر له إعجازه من هذا الوجه . ومن لم يظهر له ذلك ، اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله ، كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدى النبي وإخباره بعجزهم ، فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد « 1 » . قال القرطبي : « وجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة ، منها : النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها ، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء ، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ « 2 » . وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن اللّه أرسله ، قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر ، وكان أنيس أحد الشعراء ، قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء « 3 » الشعر فلم يلتثم على لسان أحد بعدى أنه شعر ، واللّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون . وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حم » فصّلت ، على ما يأتي بيانه هناك « 4 » ، فإذا أعترف عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه ما سمع مثل القرآن قط ، كان في هذا القول مقرّا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه . ومنها : الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب . ومنها : الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال ، وتأمل ذلك في سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ « 5 » إلى آخرها ، وقوله سبحانه : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 6 » إلى آخر السورة ، وكذلك قوله سبحانه : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ « 7 » إلى آخر السورة . قال ابن الحصار : فمن علم أن اللّه سبحانه وتعالى هو الحق ، علم أن مثل هذه
--> ( 1 ) دقائق التفسير : ج 1 ص 134 - 153 . ( 2 ) سورة يس : الآية 69 . ( 3 ) أقرأه الشعر : أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه . ( 4 ) راجع الجامع لاحكام القرآن ج 15 ص 337 . ( 5 ) سورة ق : الآية 1 . ( 6 ) سورة الزمر : الآية 67 . ( 7 ) سورة إبراهيم : الآية 42 .