مركز الثقافة والمعارف القرآنية

437

علوم القرآن عند المفسرين

أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، لا يأتون بمثله ، بل يعجزون عن ذلك ، وهذا فيه آيات لنبوته . ومنها : إقدامه على هذا الخبر العظيم عن جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة ، بأنهم لا يفعلون هذا ، بل يعجزون عنه . وهذا لا يقدم عليه من يطلب من الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك ، إذ لو كان عنده شك في ذلك لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر ، فيفسد عليه ما قصده ، وهذا لا يقدم عليه عاقل مع اتفاق الأمم ، المؤمن بمحمد والكافر به ، على كمال عقله ومعرفته وخبرته ، إذ ساس العالم سياسة لم يسهم أحد بمثلها ، ثم جعله هذا في القرآن المتلو المحفوظ إلى يوم القيامة ، الذي يقرأ به في الصلوات ، وسمعه العام والخاص ، والولي والعدو دليل على كمال ثقته بصدق هذا الخبر ، وإلا لو كان شاكا في ذلك ، لخاف أن يظهر كذبه عند خلق كثير ، بل عند أكثر من اتبعه ومن عاداه ، وهذا لا يفعله من يقصد أن يصدقه الناس ، فمن يصدقه الناس ، لا يقول مثل هذا ويظهره هذا الإظهار ويشيعه هذه الإشاعة ، وقصد أن يخلده هذا التخليد ، إلا وهو جازم عند نفسه بصدقه . ولا يتصور أن بشرا يجزم بهذا الخبر إلا أن يعلم أن هذا مما يعجز عنه الخلق ، إذ علم العالم بعجز جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة ، هو من أعظم دلائل كونه معجزا وكونه آية على نبوته ، فهذا من دلائل نبوته في أول الأمر عند من سمع هذا الكلام ، وعلم أنه من القرآن الذي أمر ببلاغه إلى جميع الخلق وهو - وحده - كاف في العلم بأن القرآن معجز . دع ما سوى ذلك من الدلائل الكثيرة على أنه معجز ، مثل عجز جميع الأمم عن معارضته مع كمال الرغبة والحرص على معارضته وعدم الفعل مع كمال الداعي يستلزم عدم القدرة . فلما كانت دواعي العرب وغيرهم على المعارضة تامة ، وانتفت المعارضة ، علم عجز جميع الأمم عن معارضته ، وهذا برهان بين يعلم به صدق هذا الخبر ، وصدق هذا الخبر آية لنبوته ، غير العلم بأن القرآن معجز ، فذلك آية مستقلة لنبوته ، وهي آية ظاهرة باقية إلى آخر الدهر ، معلومة لكل أحد ، وهي من أعظم الآيات ، فإن كونه معجزا يعلم بأدلة متعددة ، والإعجاز فيه من وجوه متعددة ، فتنوعت دلائل إعجازه وتنوعت وجوه إعجازه ،