مركز الثقافة والمعارف القرآنية

435

علوم القرآن عند المفسرين

واللّه ولى التوفيق [ والعصمة ] « 1 » . قال ابن عطية في نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن : اختلف الناس في إعجاز القرآن ، بم هو ؟ فقال قوم : إن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات ، وإن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق وفيه وقع عجزها . وقال قوم : إن التحدي وقع بما في كتاب اللّه تعالى من الأنباء الصادقة والغيوب المسدودة . وهذان القولان : إنما يرى العجز فيهما من قد تقررت الشريعة ونبوة محمد عليه السّلام في نفسه ، وأما من هو في ظلمة كفره ، فإنما يتحدى فيما يتبين له بينه وبين نفسه عجزه عنه وأن البشر لا يأتي بمثله ويتحقق مجيئه من قبل المتحدى . فكفار العرب لم يمكنهم قط أن ينكروا أن وصف القرآن ونظمه وفصاحته متلقى من قبل محمد عليه السّلام فإذا تحديث بمثل ذلك وعجزت فيه علم كل فصيح ضرورة أن هذا نبي يأتي بما ليس في قدرة البشر الإتيان به ، إلا أن يخص اللّه تعالى من يشاء من عباده . وهذا « 2 » هو القول الذي عليه الجمهور والحذاق ، وهو الصحيح في نفسه : أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه ، ووجه إعجازه أن اللّه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله علما ، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبيّن المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النظر « 3 » يبطل قول من قال : « إن العرب كان في قدرتها أن تأتى بمثل القرآن ، فلما جاء محمد عليه السّلام صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه » . والصحيح : أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ، ثم تعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة جامّة فيبدل فيها وينقح ، ثم

--> ( 1 ) جامع التفاسير ج 1 ص 104 - 109 . ( 2 ) انظر البرهان في علوم القرآن ج 2 ص 97 . ( 3 ) وفي نسخة « النطق » .