مركز الثقافة والمعارف القرآنية

398

علوم القرآن عند المفسرين

وإنما يكون الإعجاز دليلا على صدق المدعى ، لأن المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية ، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من اللّه تعالى ، وإقدار منه ، فلو كان مدعي النبوة كاذبا في دعواه ، كان إقداره على المعجز من قبل اللّه تعالى إغراء بالجهل وإشادة بالباطل ، وذلك محال على الحكيم تعالى . فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقة ، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته . وما ذكرناه قاعدة مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما يشبه هذه الأمور ، ولا يشكون فيها أبدا ، فإذا ادعى أحد من الناس عن سفاءة ملك من الملوك في أمور تختص برعيته ، كان من الواجب عليه أولا أن يقيم على دعواه دليلا يعضدها ، حين تشك الرعية في صدقه ، ولا بد من أن يكون ذلك الدليل في غاية الوضوح ، فإذا قال لهم ذلك السفير : الشاهد على صدقي أن الملك غدا سيجيئي بتحيته الخاصة التي يحيى بها سفراءه الآخرين . فإذا علم الملك ما جرى بين السفير وبين الرعية ، ثم حياه في الوقت المعين بتلك التحية ، كان فعل الملك هذا تصديقا للمدعي في السفارة ولا يرتاب العقلاء في ذلك ، لأن الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه أن يصدق هذا المدعي إذا كان كاذبا ، لأنه يريد افساد الرعية . وإذا كان هذا الفعل قبيحا من سائر العقلاء كان محالا على الحكيم المطلق ، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله في كتابه الكريم : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ « 1 » . والمراد من الآية الكريمة أن محمدا الذي أثبتنا نبوته ، وأظهرنا المعجزة لتصديقه ، لا يمكن أن يتقول علينا بعض الأقاويل ، ولو صنع ذلك لأخذنا منه باليمين ، ولقطعنا منه الوتين ، فان سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء منا لها ، وإدخال للباطل في شريعة الهدى ، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء ، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث . ولكن دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة متوقفة على القول بأن العقل يحكم بالحسن والقبح . أما الأشاعرة الذين ينكرون هذا القول ، ويمنعون حكم العقل بذلك

--> ( 1 ) سورة الحاقّة : الآية 44 - 46 .