مركز الثقافة والمعارف القرآنية
393
علوم القرآن عند المفسرين
قوم وتبعهم آخرون . هذه جمل ما ذكروه والنبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلهية ، والكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام . والذي يمكن أن يقال فيه هاهنا : أن الكتب السماوية والبيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير ولا تناسبه أدنى مناسبة ، وإنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى مباحث المادة ، فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها ويعيدها إلى المادة الجامدة . وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون ، فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة ، غير أنهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحس كالعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة ونحوها ، من غير مساعدة الحس والتجربة على شيء من ذلك ، ثم لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية وجرى البحث على أساس الحس والتجربة ، لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحس أو البعيدة عنه ، وأن يفسروها بما يعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط . فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد ، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز ، غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعا أمور مادية محضة ، لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا والواقع خلافه ، وأما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البينة الواضحة ، وطبقوها على حقائق مادية ينالها الحس وتصدقها التجربة مع أنها ليست بمقصودة ، ولا البيانات اللفظية تنطبق على شيء منها . والبحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف واللغة ، ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ، ثم ينظر هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها ؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شيء خارج عن المادة