مركز الثقافة والمعارف القرآنية

384

علوم القرآن عند المفسرين

ولو كانت المعجزات ممتنعة بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدل بها على شيء ولم ينسبها أحد إلى أحد . على أن أصل هذه الأمور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة ، بل هي مما يتعاوره نظام المادة كل حين ، بتبديل الحي إلى ميت والميت إلى الحي وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء ، وإنما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أن الأسباب المادية المشهودة التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانية ومكانية خاصة تقضي بالتدريج في التأثير ، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حية تسعى والجسد البالي وإن أمكن أن يصير إنسانا حيا ، لكن ذلك إنما يتحقق في العادة بعلل خاصة وشرائط زمانية ومكانية مخصوصة ، تنتقل بها المادة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر وتحل بها الصورة الأخيرة المفروضة ، على ما تصدقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط اتفق أو من غير علة أو بإرادة مريد ، كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن . وكما أن الحس والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلمي الطبيعي ، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلة والمعلول الطبيعيين ، اعني به السطح الذي تستقر عليه التجارب العلمية اليوم والفرضيات المعللة للحوادث المادية . إلا أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره والستر عليه ، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل الارتياض كل يوم ، تمتلئ به العيون وتنشره النشريات وتضبطه الصحف والمسفورات بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك ولا في تحققها ريب . وهذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحية من علماء العصر أن يعللوه بجريان أمواج مجهولة الكتريسية مغناطيسية ، فافترضوا أن الارتياضات الشاقة تعطي للإنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قوية تملكه أو تصاحبه إرادة وشعور ، وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرفات عجيبة في المادة خارقة للعادة بطريق