مركز الثقافة والمعارف القرآنية

382

علوم القرآن عند المفسرين

العقل ، للبراهين الصحيحة الدالة على استحالة ذلك . ومثال الثاني : ما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الإسلام ، فان هذه الدعوى كاذبة قطعا بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الإسلام ، وعن خلفائه المعصومين بأن نبوّته خاتمة النبوات ، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعا ، فما ذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي ؟ ولا يجب على اللّه جل شأنه أن يبطل ذلك بعد حكم العقل باستحالة دعواه ، أو شهادة النقل ببطلانها . وقد يدعي أحد منصبا إلهيا ثم يأتي بشيء يعجز عنه غيره من البشر ويكون ذلك الشيء شاهدا على كذب ذلك المدعي ، كما يروى أن « مسيلمة » تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء ، وأنه أمرّ يده على رؤوس صبيان بني حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كل صبي مسح رأسه ، ولثغ كل صبي حنكه « 1 » ، فإذا أتى المدعي بمثل هذا الشاهد لا يجب على اللّه أن يبطله ، فان في هذا كفاية لابطال دعواه ، ولا يسمى ذلك معجزا في الاصطلاح . وليس من الإعجاز المصطلح عليه ما يظهره الساحر والمشعوذ ، أو العالم ببعض العلوم النظرية الدقيقة ، وإن أتى بشيء يعجز عنه غيره ، ولا يجب على اللّه إبطاله إذا علم استناده في عمله إلى أمر طبيعي من سحر ، أو شعبذة ، أو نحو ذلك وإن ادعى ذلك الشخص منصبا إلهيا ، وقد أتى بذلك الفعل شاهدا على صدقه ، فان العلوم النظرية الدقيقة لها قواعد معلومة عند أهلها ، وتلك القواعد لا بد من أن توصل إلى نتائجها ، وان احتاجت إلى دقة في التطبيق ، وعلى هذا القياس تخرج غرائب علم الطب المنوطة بطبائع الأشياء ، وإن كانت خفية على عامة الناس ، بل وإن كانت خفية على الأطباء أنفسهم . وليس من القبيح أن يختص اللّه أحدا من خلقه بمعرفة شيء من تلك الأشياء ، وإن كانت دقيقة وبعيدة عن متناول أيدي عامة الناس ، ولكن القبيح أن يغرى الجاهل بجهله ، وأن يجري المعجز على يد الكاذب فيضل الناس عن طريق الهدى » . « 2 » قال الطباطبائي ( ره ) : معنى الآية المعجزة في القرآن وما تفسر به حقيقتها :

--> ( 1 ) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 138 . ( 2 ) البيان ج 1 ص 43 - 44 .