مركز الثقافة والمعارف القرآنية
34
علوم القرآن عند المفسرين
المشقة . ومنها : بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي ، وإقبالهم عليه هذا الإقبال ، والبحث عن لفظة لفظة ، والكشف عن صيغة صيغة ، وتحرير تصحيحه ، وإتقان تجويده ، حتى حموه من خلل التحريف ، وحفظوه من الطغيان والتطفيف ، فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا ولا تفخيما ولا ترقيقا ، حتى ضبطوا مقادير المدات ، وتفاوت الإمالات ، وميزوا بين الحروف بالصفات ، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم ، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم . ومنها : ما ذخره اللّه تعالى من المنقبة العظيمة ، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة ، من إسنادها كتاب ربها ، واتصال هذا السبب الإلهى بسببها ، فكل قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله ، ويرفع ارتياب الملحد قطعا بوصله . ومنها : ظهور سر اللّه تعالى في توليه حفظ كتابه العزيز ، وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز ، فإنه تعالى لم يخل عصرا من الأعصار ، ولو في قطر من الأقطار ، من إمام حجة قائم بنقل كتاب اللّه تعالى وإتقان حروفه ورواياته ، وتصحيح وجوهه وقراءاته ، يكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور ، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور » انتهى » « 1 » . قال ابن عاشور : « ومزية القراءات من هذه الجهة عائدة إلى أنها حفظت على أبناء العربية ما لم يحفظه غيرها ، وهو تحديد كيفيات نطق العرب بالحروف في مخارجها وصفاتها ، وبيان اختلاف العرب في لهجات النطق بتلقى ذلك عن قراء القرآن من الصحابة بالأسانيد الصحيحة ، وهذا غرض مهم جدا لكنه لا علاقة له بالتفسير لعدم تأثيره في اختلاف معاني الآي ، ولم أر من عرف لفن القراءات حقه من هذه الجهة ، وفيها أيضا سعة من بيان وجوه الإعراب في العربية ، فهي لذلك مادة كبرى لعلوم اللغة العربية » « 2 » . قال المدرس : « من فوائد اختلاف القراءة وتعدد الحروف : التخفيف والتيسير على هذه الأمة ، فإن كل إنسان متعود على لهجته : من الفتح ، أو الإمالة ، أو غيرها من سائر
--> ( 1 ) محاسن التأويل ج 1 ص 313 - 314 . ( 2 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 51 .