مركز الثقافة والمعارف القرآنية
30
علوم القرآن عند المفسرين
في أنفسهم ، وكلا المعنيين حاصل منهم ، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلق بالتفسير ، لأن ثبوت أحد اللفظين في قراءة قد يبين المراد من نظيره في القراءة الأخرى ، أو يثير معنى غيره ، ولأن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة ، نحو : حَتَّى يَطْهُرْنَ « 1 » بفتح الطاء المشددة والهاء المشددة ، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة ، ونحو لامَسْتُمُ النِّساءَ « 2 » ولمستم النساء ، وقراءة « وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا » مع قراءة الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ « 3 » . والظن أن الوحي نزل بالوجهين وأكثر ، تكثيرا للمعاني إذا جزمنا بأن جميع الوجوه في القراءات المشهورة هي مأثورة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، على أنه لا مانع من أن يكون مجىء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادا للّه تعالى ليقرأ بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني ، فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئا عن آيتين فأكثر ، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب ، ونظير التورية والتوجيه في البديع ، ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني ، وهو من زيادة ملاءمة بلاغة القرآن ، ولذلك كان اختلاف القراء في اللفظ الواحد من القرآن قد يكون معه اختلاف المعنى ، ولم يكن حمل أحد القراءتين على الأخرى متعينا ولا مرجحا ، وإن كان قد يؤخذ من كلام أبى على الفارسي في كتاب « الحجة » ، أنه يختار حمل معنى إحدى القراءتين على معنى الأخرى ، ومثال هذا قوله - في قراءة الجمهور - قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 4 » في سورة الحديد ، وقراءة نافع وابن عامر « فإن اللّه الغنى الحميد » بإسقاط هو : « إن من أثبت هو ، يحسن أن يعتبره ضمير فصل لا مبتدأ ، لأنه لو كان مبتدأ لم يجز حذفه في قراءة نافع وابن عامر . قال أبو حيان : « وما ذهب إليه ليس بشيء لأنه بنى ذلك على توافق القراءتين وليس كذلك ، ألا ترى أنه قد تكون قراءتان في لفظ واحد لكل منهما توجيه يخالف الآخر ، كقراءة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ « 5 » بضم التاء أو سكونها . وأنا أرى : أن على المفسر أن يبين اختلاف القراءات المتواترة ، لأن في اختلافها توفيرا
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 222 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 43 وسورة المائدة : الآية 6 . ( 3 ) سورة الزخرف : الآية 19 . ( 4 ) سورة الحديد : الآية 24 وسورة الممتحنة : الآية 6 . ( 5 ) سورة آل عمران : الآية 36 .