مركز الثقافة والمعارف القرآنية
175
علوم القرآن عند المفسرين
القول الخامس : إن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب اللّه تعالى ، وهي أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال . قال ابن عطية . وهذا ضعيف ، لأن هذا لا يسمى أحرفا ، وأيضا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغيير شئ من المعاني . وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها ، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة ، ومنه قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ « 1 » فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك . وقد قيل : إن المراد بقوله عليه السلام : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة ، لأنها كلها صحت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه على ما يأتي . قال كثير من علمائنا كالداودى وابن أبي صفرة وغيرهما : هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ، ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها ، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة ، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ، ذكره ابن النحاس وغيره . وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء ، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى ، فالتزمه طريقة ورواه وأقرأ به واشتهر عنه وعرف به ونسب إليه ، فقيل : حرف نافع ، وحرف ابن كثير ، ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر ولا أنكره بل سوغه وجوزه ، وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران أو أكثر ، وكلّ صحيح . وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك مصنفات ، فاستمر الإجماع على الصواب ، وحصل ما وعد اللّه به من حفظ الكتاب ، وعلى هذا ، الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبى بكر بن الطيب والطبري وغيرهما . قال ابن عطية : ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة وبها يصلى لأنها ثبتت بالإجماع ، وأما شاذ القراءات فلا يصلى به لأنه لم يجمع الناس عليه ، أما أن المروى منه عن الصحابة رضى اللّه
--> ( 1 ) سورة الحج : الآية 11 .