مركز الثقافة والمعارف القرآنية
173
علوم القرآن عند المفسرين
وأكثره ، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط ، إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « 1 » ولم يقل : قرشيا ، وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب ، وليس لأحد أن يقول : إنه أراد قريشا من العرب دون غيرها ، كما أنه ليس له أن يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان ، أو ربيعة دون مضر ، لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا . وقال ابن عبد البر : قول من قال إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب واللّه أعلم ، لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها ، وقريش لا تهمز . وقال ابن عطية : معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » أي فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن ، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ، ومرة بعبارة هذيل ، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ ، ألا ترى أن « فطر » معناه عند غير قريش : ابتدأ [ خلق الشيء وعمله ] « 2 » ، فجاءت في القرآن فلم تتجه لا بن عباس ، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، قال ابن عباس ، ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى : فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وقال أيضا : ما كنت أدرى معنى قوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ « 3 » حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعالى أفاتحك ، أي أحاكمك . وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ « 4 » أي على تنقص لهم . وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في الصلاة : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ « 5 » ذكره مسلم في باب ( القراءة في صلاة الفجر ) إلى غير ذلك من الأمثلة . القول الثالث : أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر ، قاله قوم ، واحتجوا بقول عثمان . نزل القرآن بلغة مضر ، وقالوا : جائز أن يكون منها لقريش ، ومنها لكنانة ، ومنها لأسد ، ومنها لهذيل ، ومنها لتيم ، ومنها لضبة ، ومنها لقيس ، قالوا : هذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب ، وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين
--> ( 1 ) سورة الزخرف : الآية 3 . ( 2 ) زيادة عن ابن عطية . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 89 . ( 4 ) سورة النحل : الآية 47 . ( 5 ) سورة ق : الآية 10 .