مركز الثقافة والمعارف القرآنية
95
علوم القرآن عند المفسرين
وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين اتفقتا في لفظة ، فذلك بعيد ، بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر ، لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا » « 1 » . قال القرطبي في باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أولا : « لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير لسان العرب ؛ كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط . واختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب ؛ فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب والطبرىّ وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه ، وأن القرآن عربىّ صريح ، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات ، إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم ، وذهب بعضهم إلى وجودها فيه ، وأن تلك الألفاظ لقلّتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيّا مبينا ، ولا رسول اللّه عن كونه متكلما بلسان قومه . فالمشكاة : الكوّة . ونشأ : قام من الليل ؛ ومنه إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ، و يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي ضعفين . و فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ أي الأسد ؛ كله بلسان الحبشة . والغسّاق : البارد المنتن بلسان الترك . والقسطاس : الميزان ؛ بلغة الروم . والسّجيل : الحجارة والطين بلسان الفرس . والطّور الجبل . واليمّ : البحر بالسريانية . والتّنّور : وجه الأرض بالعجمية . قال ابن عطية : « فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية ، لكن استعملتها العرب وعرّبتها فهي عربية بهذا الوجه . وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات ، وبرحلتى قريش ، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام ، وكسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة ، وكسفر الأعشى إلى الحيرة ، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة ؛ فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيّرت بعضها بالنقص من حروفها ، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة ، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها ، حتى جرت مجرى العربىّ
--> ( 1 ) المحرر الوجيز ج 1 ص 69 - 70 وقد نقل عين هذه العبارة الثعالبي في جواهر الحسان ج 1 ص 16 - 17 .