مركز الثقافة والمعارف القرآنية

130

علوم القرآن عند المفسرين

أقدام وضلّت عن الحق بها أقوام وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين مبسوطة في زبر المتأخّرين لكنّني بحول من عز حوله وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب ليتذكر أولو الألباب ، بأسلوب عجيب وتحقيق غريب لا أظنّك شنّفت سمعك بمثل لآلئه ، ولا نوّرت بصرك بشبه بدر لياليه ، فماء ولا كصدى ومرعى ولا كالسعدان : وما كلّ زهر ينبت الروض طيب * ولا كلّ كحل للنواظر أثمد فأقول إن الانسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر ، وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر . ولفظ الكلام موضوع لغة للثاني قليلا كان أو كثيرا حقيقة كان أو حكما . وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكره الرضى ، وكل من المعنيين إما لفظىّ أو نفسىّ . فالأول من اللفظي فعل الانسان باللسان وما يساعده من المخارج . والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس . والأول من النفسي فعل قلب الانسان ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح . والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسا عادة فيها وإنما هو صوت معنوي مخيل . أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق . وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الانسان بكلمات ذهنية وألفاظ مخيّلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية ، ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية والألفاظ المخيّلة المرتّبة ترتيبا ذهنيا منطبقا عليه الترتيب الخارجي ، والدليل على أن للنفس كلاما ، بالمعنيين ، الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى : فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً « 1 » فان ( قال ) بدل من ( أسرّ ) أو استئناف بيانى كأنه قيل فما ذا قال في نفسه في ذلك الاسرار فقيل : قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً . وعلى التقديرين فالآية دالة على أن للنفس كلاما بالمعنى المصدري ، وقولا بالمعنى الحاصل بالمصدر ، وذلك من أسرّ والجملة بعدها وقوله تعالى : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى « 2 » وفسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسرّه ابن آدم في نفسه . وقوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 77 . ( 2 ) سورة الزّخرف : الآية 80 .