مركز الثقافة والمعارف القرآنية

128

علوم القرآن عند المفسرين

والحشويّة القائلين بقدم الحروف والأصوات ، وأنّ القراءة والتلاوة قديمة ، وأنّ الإيمان قديم ، والروح قديم ؛ وقد أجمعت الأمة وكلّ أمة من النصارى واليهود والبراهمة بل كلّ ملحد وموحد ، أنّ القديم لا يفعل ولا تتعلق به قدرة قادر بوجه ، ولا بسبب ، ولا يجوز العدم على القديم وأنّ القديم لا يصير محدثا ، والمحدث لا يصير قديما ، وأنّ القديم ما لا أوّل لوجوده ، وأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن ؛ وهذه الطائفة خرقت إجماع العقلاء من أهل الملل وغيرهم ؛ فقالوا : يجوز أن يصير المحدث قديما ، وأنّ العبد إذا قرأ كلام اللّه تعالى فعل كلاما للّه قديما ، وكذلك إذا نحت حروفا من الآجرّ والخشب ، أو صاغ أحرفا من الذهب والفضة ، أو نسج ثوبا فنقش عليه آية من كتاب اللّه فقد فعل هؤلاء كلام اللّه قديما ، وصار كلامه منسوجا قديما ومنحوتا قديما ومصوغا قديما ؛ فيقال لهم : ما تقولون في كلام اللّه تعالى ، أيجوز أن يذاب ويمحى ويحرق ؟ فإن قالوا : نعم ، فارقوا الدّين ، وإن قالوا : لا ، قيل لهم : فما قولكم في حروف مصوّرة آية من كتاب اللّه تعالى من شمع ، أو ذهب أو فضة أو خشب أو كاغذ فوقعت في النار فذابت واحترقت ، فهل تقولون : إنّ كلام اللّه احترق ؟ فإن قالوا : نعم ، تركوا قولهم ؛ وإن قالوا : لا ، قيل لهم أليس قلتم : إنّ هذه الكتابة كلام اللّه وقد احترقت ! وقلتم : إن هذه الأحرف كلامه وقد ذابت ؛ فإن قالوا : احترقت الحروف وكلامه تعالى باق ، رجعوا إلى الحق والصواب ودانوا بالجواب ؛ وهو الذي قاله النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم منبّها على ما يقول أهل الحق : « ولو كان القرآن في إهاب ثم وقع في النار ما احترق » . وقال اللّه عزّ وجلّ : « أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظانا » الحديث ، أخرجه مسلم . فثبت بهذا أن كلامه سبحانه ليس بحرف ولا يشبه الحروف . والكلام في هذه المسألة يطول ، وتتميمها في كتب الأصول ، وقد بيّناها في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى ) » « 1 » . قال النيشابوري في أن كلام اللّه تعالى قديم أولا : ئ « ذكر قوم من أئمة الأمة أن كلام اللّه تعالى قديم بعد أن عنوا بكلامه هذه الحروف

--> ( 1 ) الجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 55 .