مركز الثقافة والمعارف القرآنية
126
علوم القرآن عند المفسرين
لكن الذين تذوّقوا جمال الأسلوب القرآني ، يرون أن هذه الشبهة باطلة ، ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن ، مثل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 1 » دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد ، وأن الآية تنهى عن كل من التبذير والبخل . والكناية : « وهي لفظ أريد به لازم معناه » كثيرة أيضا في القرآن : لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيماء ، فاللّه تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة الزوجية ، وهي التناسل ، بلفظ ( الحرث ) في قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ « 2 » ، ووصف اللّه للعلاقة بين الزوجين ، بما فيها من مخالطة وملابسة ، بأنها لباس من كل منهما للآخر ، في قوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 3 » ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ « 4 » وقوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ « 5 » . وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ « 6 » . والتعريض : « وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه ، وتلوّح به إلى ما ليس من معناه ، لا حقيقة ولا مجازا » مستعمل أيضا في القرآن ، مثاله : وَقالُوا : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ، قُلْ : نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا « 7 » ليس المراد به ظاهر الكلام وهو ازدياد حر جهنم ، وكونه أشد من حر الدنيا ، ولكن الغرض الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال ، المعتذرين بشدة الحر ، بأنهم سيردون جهنم ، ويجدون حرها الذي لا يوصف . ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا « 8 » نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة ، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم ، من عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا يكون عاجزا ) « 9 » .
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 29 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 223 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 187 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 43 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 187 . ( 6 ) سورة المدثر : الآية 4 . ( 7 ) سورة التوبة : الآية 81 . ( 8 ) سورة الأنبياء : الآية 63 . ( 9 ) المنير - ج 1 ص 41 - 42 .