محمد سالم أبو عاصي

72

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

والجواب عن ذلك إجمالا : أن السلف - رضوان اللّه عليهم - لم يأخذوا هذه المعاني مأخذ المنصوص عليه الداخل تحت العمومات ، بل فهموا - فهم الراسخين في العلم - أن ما لم يذكر من الآية مشترك مع المذكور فيها في وصف ما ، فأجروها فيما لم تنزل فيه ولم يقصد منها ، اعتبارا للشيء بما يجامعه أو يقاربه . ذلك . . أن اللّه تعالى إنما ذكر الكفار في القرآن بأسوإ أعمالهم ، والمؤمنين بأحسن أعمالهم ليعتبر أولو الأبصار وليجتهدوا في الفرار من مثل أعمال المسيئين ، وفي اللحاق بدرجات المحسنين ، سيرا على قدمي الخوف والرجاء . . غير آمنين من مكر اللّه ولا يائسين من رحمته ، وهذا هو معنى قول العلماء : إن كل آية وردت في حق الكفار فإنها تجرّ بذيلها على عصاة المؤمنين . . فما أدقّ هذا التعبير ! حيث قالوا " تجر بذيلها " ولم يقولوا : تطبق بنصها ، وذلك لأن العقوبات فيها لا تنطبق بنصها على المؤمنين كما هي ، وإنما يصيب العاصي طرف منها إن لم يعف اللّه عنه . وإلى هذا المعنى - واللّه أعلم - كان قصد ابن عباس في إجابته مروان ، حيث قال له : ما لك ولهذه الآية ؟ ! . . . إلخ . كأنه يريد أن ما فيها من القطع بالعذاب واليأس من النجاة خاص بأهلها ومن يشبههم من الذين يفترون على اللّه الكذب ويكذبون بآياته . وهذا لا ينافي أن غيرهم ممن ألمّ بذنوبهم قد يصيبه العذاب أيضا ، لكن إلى أجل محدود ، وإلى مفازة في النهاية « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : الموافقات ، وحصاد قلم ، د . محمد عبد اللّه دراز ، ص 90 .