محمد سالم أبو عاصي

55

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

دقة وغور ؛ كانت الحاجة في تفسيره واستنباط الأحكام منه تحتاج إلى دقة وأناة كذلك ، فليس الأمر ضربة لازب ، بل له قواعد وضوابط وسبل ، تستمد من حقيقة هذا الوحي وما أودع فيه من مراد اللّه ، ومن خصائص اللسان الذي نزل به . ومن ثمّ . . قرر أهل التفسير والأصول واللغة أنه لا يجوز لأحد أن يفسر ذلك البيان من دون فقه ذلك اللسان العربي ؛ لأن القرآن - كما قلنا - لم يخرج عن معهود العرب في لغتهم من حيث الألفاظ المفردة ، والجمل المركبة ، وقوانينها العامة . ومن ثمّ . . فتفسير النص القرآني بما لا يكون معهودا من لغته كذب . فمثلا : لو فسرت " النجدين " في قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ سورة البلد : 8 ، 9 ، 10 ] بأن النجدين - كما يقول أحد أصحاب " القراءة المعاصرة " - أعضاء بمعنى الثديين ؛ فإنك تكون كذبت على لغة العرب ، وبالتالي على القرآن الذي نزل على لغة العرب ، ويترتب على ذلك القول بقصور أفهام العرب عن إدراك تامّ لمعاني القرآن أو عدم إدراكها بالمرة . فتحميل النص ما لا يحتمل من الدلالة اللغوية كذب في بيان المراد الإلهي منه . ثم إن تنزيل القرآن على غير معهود العرب سوف يجرد القرآن من الإعجاز من وجهه البياني ، وهو أهم وجوه الإعجاز ، إن لم يكن هو الوجه الوحيد . ومن العجيب أن صاحب هذه الدعوة يسقط البيان النبوي للقرآن الكريم ، مع أن السنّة هي بيان القرآن بنص القرآن ، وهي تأخذ حجيتها من إقرار القرآن للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم لا يأمرنا ولا ينهانا إلا بالذي يأمرنا به اللّه عزّ وجلّ .