محمد سالم أبو عاصي

153

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

والثالث : إثبات البعث ، وأنه حق لا ريب فيه . فهذه هي المعاني الثلاثة التي عليها مدار القرآن المكي . أما بيان ذلك بالتفصيل في سورة المؤمنون ؛ فيرى الشاطبي " أن المعاني الثلاثة موجودة فيها على أوضح الوجوه ، إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين السابقين ، وإنما أنكروا ذلك ترفعا منهم أن يرسل اللّه عزّ وجلّ إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم . . فجاءت السورة مبينة كمال البشرية ، وكيف أنها تستحق الاصطفاء والرفعة ، فافتتحت بثلاث جمل : بيان من أفلح من المؤمنين وصفاتهم ، ثم انتقلت إلى بيان أصل الإنسان ، ثم ذكرت نعم اللّه التي أعطاها للإنسان وسخرها له تكريما وتشريفا ، ثم ذكرت قصص من تقدم من الأمم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم لكونهم بشرا . ففي قصة نوح مع قومه : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [ سورة المؤمنون : 24 ] ، ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم فقالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [ سورة المؤمنون : 33 ] ، وفي نفس السورة يخبرنا القرآن الكريم برد فرعون وملئه على موسى وأخيه هارون - عليهما السلام - لما دعواهم إلى الإيمان باللّه الواحد الأحد ، فكان جوابهم : أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ سورة المؤمنون : 47 ] . وكل هذه القصص التي وردت في سورة المؤمنون هي تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ليعلم أنه ليس بدعا من الرسل ، وأن طريقة التكذيب واحدة ، وهي " الغض من رتبة النبوة بوصف البشرية " « 1 » .

--> ( 1 ) الموافقات ، 3 / 418 .