محمد سالم أبو عاصي

147

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

المثال الرابع : قال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ سورة يس : 47 ] استهزاء بالمؤمنين وتعنيتا لهم . . فرد اللّه عليهم بقوله : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سورة يس : 47 ] . واختلفت طريقة المشايخ في بيان كونهم بهذا القول في ضلال مبين . . فذهب الشاطبي إلى أن هذا القول منهم إنما كان حيدة عن سنن الجواب الصحيح . فقد كان طريق الجواب الصحيح الامتثال أو عدم الامتثال ، بقول " نعم " أو " لا " . . لكنهم عدلوا عن ذلك إلى الاحتجاج بالمشيئة الإلهية التي لا تعارض ، فقالوا : لم يشأ اللّه أن يطعمهم ؛ فلا قدرة لنا على إطعامهم ! فانقلب هذا الاحتجاج عليهم : إذا احتججتم بالمشيئة الإلهية المطلقة التي لا تعارض ؛ فكيف أقدمتم على معارضة مشيئته بالامتناع عما كلفكم به من إطعامهم ؟ فهل هذا إلا التناقض المبين ، وهو عين الضلال المبين ؟ « 1 » . وذهب الإمام الرازي إلى أن المقصود من قولهم : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ أحد احتمالين . . أحدهما : أن يكون إشارة إلى أن اللّه إن شاء أن يطعمهم ؛ كان يطعمهم . . فلا نقدر على إطعامهم ؛ لأنه حينئذ من تحصيل الحاصل . وإن شاء عدم إطعامهم ؛ فلا يقدر أحد على إطعامهم ؛ فإطعامهم - المأمور به - غير مقدور لهم على كلّ من الفرضين . . فكيف يؤمرون بما لا تتسع له قدرتهم ؟

--> ( 1 ) انظر : الموافقات وحاشية الشيخ دراز ، 3 / 357 .