محمد سالم أبو عاصي

129

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

الأصوليين والفقهاء ؛ إذ إن هذا يناقض الحقيقة البدهية الواجبة مراعاتها في مناهج البحث ، وهي تحرير المراد ( أو تحرير محل النزاع ) . ومن ثمّ . . فليس من أمانة البحث العلمي أن نورد خبرا عن ابن عباس - أو غيره - يقرر فيه نسخ آية لأخرى ، مع أنه ليس بين الآيتين إلا علاقة المستثنى بالمستثنى منه ، لنستدل بهذا الخبر على أن إحدى الآيتين منسوخة بالأخرى على ما اصطلحنا نحن عليه في تحديد مدلول النسخ أخيرا بأنه رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه . وبوسعك أن ترى هذه الحقيقة التي أوضحتها لك في هذه العبارة التي وردت على لسان الشيخ ولي اللّه الدهلوي : " من المواضع الصعبة في فن التفسير ( التي ساحتها واسعة جدّا ، والاختلاف فيها كثير ) معرفة الناسخ والمنسوخ . وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين . وما علم في هذا الباب ، من استقراء كلام الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء ، لا بإزاء مصطلح الأصوليين . فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى . . إما بانتهاء مدة العمل ، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر ، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيّا ، أو تخصيص عام ، أو بيان الفارق بين النصوص وما قيس عليه ظاهرا ، أو إزالة عادة الجاهلية ، أو الشريعة السابقة . فاتسع باب النسخ عندهم ، وكثر جولان العقل هنالك ، واتسعت دائرة الاختلاف . ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة .