محمد سالم أبو عاصي

116

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

أقول : بعد صرفهم الألفاظ الموهمة عن ظاهرها الموهم للنقص ، اختلفوا ما بين مفوّض المعنى المراد إليه تعالى - وهم من يسمون ب " المفوّضة " ، أو أهل التفويض ، وبين باذل جهده في التعرف على المعنى المراد ، مستعينا باللغة والسياق ويسمى هذا الفريق " المؤولة " ، أو أهل التأويل . ومن الفريق الأول الشاطبي . غير أنه قسم المتشابه إلى : حقيقي وإضافي ، وأراد من الحقيقي : ما لا سبيل إلى فهم المراد منه ، وأراد من الإضافي : ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر . . قال : " فإذا تقصّى المجتهد أدلة الشريعة ؛ وجد فيها ما يبين معناه . والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّا ، وبالمعنى الإضافي كثير " « 1 » . ثم حكى المذهبين السابقين فقال : " وتسليط التأويل على المتشابه الحقيقي لا يلزم ؛ إذ قد تبين أنه لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به ؛ لأنه لم يقع بيانه بالقرآن الصريح ، أو بالحديث الصحيح ، أو الإجماع القاطع . فالكلام في مراد اللّه من غير هذه الوجوه تسوّر ، على ما لا يعلم وهو غير جائز . وأيضا . . فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المقتدين بهم لم يعرضوا لهذه الأشياء ولا تكلموا فيها بما تقتضي تعيين تأويل من غير دليل . . وهم الأسوة والقدوة ، والآية تشير إلى ذلك " . . وهي فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، ثم قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا .

--> ( 1 ) الموافقات ، 3 / 91 .