محمد سالم أبو عاصي
111
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
الثاني : أن المتشابه لو كان كثيرا ؛ لكان الالتباس والإشكال كثيرا ، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى ، وكيف . . وقد سماه اللّه كذلك فقال : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [ سورة آل عمران : 138 ] ، وقال تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ سورة البقرة : 2 ] ، وقال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ سورة النحل : 44 ] ؟ ! وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس . والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة ، لا بيان وهدى . . لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى ؛ فدل على أنه ليس بكثير . ثم يقول الشاطبي - بعد أن ساق هذا الدليل : " ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها ؛ لم يصح القول به " « 1 » . وأما ثالث الأمور القاضية بقلة المتشابه في القرآن الكريم ؛ فالاستقراء . . وذلك أن المجتهد العارف بكلام العرب وعاداتهم ، الواقف على المقامات والوقائع التي أنزلت فيهما ، إذا تأمل في هذا الكتاب الكريم ؛ وجد الغالب من مفرداته وتراكيبه من الوضوح بحيث لا يخفى على عامة المتدبرين . فإن قيل : كيف تزعم أن الالتباس والإشكال في القرآن قليل ، وما أكثر ما يختلف مفسروه - على تعدد مشاربهم - في معاني مفرداته وتراكيبه ؟ ! ألم تر إلى المعربين ، والمتكلمين ، والفقهاء . . كم يختلفون فيه ؟ ! وكم فيه من عام يحتاج إلى مخصّص ، ومطلق يحتاج إلى مقيّد ، ومجمل يحتاج إلى مبيّن ، وظاهر يحتاج إلى تأويل ! فإذا ثبت أن فيه كل هذا الالتباس ؛ فهل مثاره إلا التشابه الذي يحول
--> ( 1 ) الموافقات ، 3 / 87 .