نور الدين عتر

57

علوم القرآن الكريم

غير أنا نرى أن هذا الأثر ليس صالحا للاستدلال لهذا المذهب لأن ابن مسعود لم يقصد وضع ضابط وتعريف للمكي والمدني ، إنما أراد بيان علامة من علامات القرآن المكي والمدني ، أو تفسيرا لبيان المراد بهذا الخطاب ، وهو أمر أغلبي ليس مضطردا دائما كما سيتضح . وهذا المذهب في تفسير المكي والمدني أضيق من المذهب السابق ، لأنه قد تقيد بالأشخاص المعينين في أمكنة معينة ، وتقيد بموضوع معين هو ما كان فيه خطاب من آيات القرآن ، فبقي القسم الأكبر من القرآن خارج هذا المنهج في تعريف المكي والمدني . ولهذا الذي ذكرناه في نقد المذهبين الثاني والثالث ، كان المذهب الأول أكثر قبولا لدى العلماء ، حتى كان هو الأشهر كما ذكرنا . ويندرج في ضمن المكي والمدني بناء على المذهب الأشهر المعتمد أنواع كثيرة من الدراسات المتصلة بالظروف المحيطة بنزول القرآن كالسفري والحضري ، والليلي والنهاري ، وما حمل من مكة إلى المدينة ، وما حمل من المدينة إلى مكة ، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي ، وما نزل بمكة وحكمه مدني ، وغير ذلك من دراسات تدل على الاعتناء العجيب الذي أحيط به هذا القرآن ، وتوفير وسائل دراسته من جميع الجهات . وبناء على هذا الضابط المختار كان عدد السور المدنية تسعا وعشرين سورة ، وسائر السور بعد ذلك مكية ، وقد يوجد في السورة المدنية ما هو مكي ، كما قد يوجد في السورة المكية ما هو مدني ، والنظر في ذلك لمطلع السورة إن نزل بمكة عدّت مكية ، وإن نزل بالمدينة عدّت مدنية . أهمية علم المكي والمدني : مما لا يخفى على الباحث أهمية معرفة الأحوال التي احتفت بنزول القرآن في فهمه وتفسيره ، حتى صرحوا بأنه لا يحل لمن ابتعد عن علمها أن يتكلم في تفسير القرآن الكريم ، ونوضح أوجه أهمية هذا العلم فيما يلي :