نور الدين عتر
45
علوم القرآن الكريم
الطواسين ، ولم ترتب المسبحات ولاء ، بل فصل بين سورها ، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس النمل مع أنها أقصر منهما ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء ، وأخرت طس النمل عن طسم القصص « 1 » . وهكذا من يتدبر سائر السور يعلم أن ترتيبها توقيفي . الثاني : ما راعاه العلماء الأئمة في بحوثهم من التزام بيان أوجه التناسب بين كل سورة وما قبلها ، وبيان وجه ترتيبها . ويدل الإجماع على ذلك أيضا ، فإن الصحابة قد أجمعوا على هذا الترتيب وقرءوا به في صلواتهم ، وفي المصاحف من غير مخالفة ، ولو كان لدى بعضهم مستند لترتيبه على غير ذلك لتمسكوا به ، لكنهم أجمعوا على التزام هذا الترتيب وترك ما سواه ، ثم استمرت الأمة على ذلك من غير خلاف قط ، فكان ذلك إجماعا على الترتيب الذي في مصحف عثمان ، ووجوب التزامه مدى الأزمان « 2 » .
--> ( 1 ) انظر الإتقان والبرهان . ( 2 ) وقد أخطأ من خالف هذا الترتيب في تفسيره للقرآن أو لجزء منه ، وذلك لما يلي : 1 - مخالفة الإجماع على ترتيب سور القرآن كما هي في المصحف . 2 - الإخلال بمقاصد الوحي الإلهي من ترتيب القرآن ، وما فيه من مناسبات حكيمة تتصل بمعاني القرآن وتدخل في إعجازه ، فمهما خطر ببال أحدهم فحكمة الوحي أعلى وأسمى ، وقد أحكم الحكيم العليم ترتيب كتابه آيات وسورا ، كما أحكم ترتيب أطرافه ، وقد افتتح القرآن بالمعارف الإلهية وأصول العقيدة في سورة الفاتحة ، ثم قرر في البقرة عظمة القرآن ومقاصد هدايته ودعا إلى توحيد اللّه مستدلا بدلائل الخلق والآفاق وإلى الإيمان بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والقرآن وتحدى العالم بمثل سورة منه ، وذكر الجنة والنار ، ثم أقام الحجج على المشركين وغيرهم . . . وهكذا فقد عرّف القرآن الإنسان منذ بداية طرف المصحف الأول بمقام ربه وعظيم شأنه وأجال نظره في آياته التي تتجلى في مخلوقاته ، وعرف نبوة رسوله وحقية كتابه ، وصار بذلك أهلا لفهم التشريع متهيئا لقبوله ، فأتاه حينئذ بالتشريع والأحكام .