نور الدين عتر
262
علوم القرآن الكريم
بخطاب ، ولا يجاوب بجواب ، بل يترك وشأنه ، كما قيل : « اتركوا الجاهل بجهله ، ولو ألقى الجعفر في رحله » « 1 » . وقد شهد أئمة العربية الأجلاء ، أن ألفاظ القرآن هي أفصح كلام العرب ، وأعلاها جمالا ، وأنسا ، وبعدا عن وحشيّ الكلام ، وحسبنا في هذا قول الإمام أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني ، وقد مخر عباب ألفاظ القرآن في كتابه « المفردات في غريب القرآن » فقال في مقدمته « 2 » : « فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته » وواسطته وكرائمه ، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم ، وحكمهم ، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم ، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة ، وكالحثالة والتّبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة » . وقد عني العلماء النّقاد المتذوقون جمال الكلام بدراسة أثر الكلمة في جمال الأسلوب ، وأثرها في إعجاز القرآن ، في قديم الزمان وحديثه ، وأثبتوا إعجاز الكلمة القرآنية في موقعها « 3 » . نذكر مهمات من ذلك على سبيل الإيجاز الشديد ، فمن ذلك . 1 - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها : واللغة العربية واسعة الثروة اللفظية ، حتى لا يحيط بها إلا نبيّ ، فاستحضار أحسن لفظ وأنسبه يحتاج إلى اطلاع على جميع ثروتها ، ثم استحضار جميع ما يلائم الموقع من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها ،
--> ( 1 ) الجعر : القذر . رحله : بيته . ( 2 ) ص 6 . قوله : « واسطته » أي كواسطة العقد ، أنفس شيء فيه . بالإضافة : أي بالنسبة والقياس إليها . ( 3 ) نذكر من هذه الدراسات : المثل السائر لابن الأثير ، وإعجاز القرآن للرافعي ، والمعجزة الخالدة للدكتور حسن ضياء الدين عتر ، أتى فيه بفصول قيمة ، فانظره ، وجماليات المفردة القرآنية ، وهو أوفى ما كتب ، قد جمع بين نظريات القدامى والمحدثين ، ألّفه بإشرافنا الدكتور أحمد ياسوف ، فجاء كتابا فريدا في بابه .