نور الدين عتر
253
علوم القرآن الكريم
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . . . . وكان بعد حل العقدة انتهاء القصة بمشهد ختامي رائع ، هو مشهد أولئك الطغاة الجبارين يذوقون أليم العذاب : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا . . . إلى آخر السورة وما فيها من اختصامهم في النار . . . ونلمح في القصة خصوصيتين من خصائص فن القصص المسرحي : الأولى : الاعتناء بفن التصوير ، ويظهر هنا واضحا في رسم الشخصيات ، فشخصية موسى هي شخصية ذلك النبي الواثق بقضيته فهو يواجه تهديد فرعون باللجوء إلى اللّه تعالى ، وشخصية الرجل المؤمن تبدو من خلال الحوار شخصية الرجل الحكيم الذي يتبع المنطق المعقول ، مع إثارة عواطف قومه بالنداء المتكرر « يا قوم . . يا قوم . . » وشخصية فرعون تبدو بجبروتها وخبثها وإصرارها على الباطل ، يقابل دعوة الحق بسفك الدماء ، ويواجه المنطق المفحم بالحيلة والدهاء : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ . . . الخصوصية الثانية : حذف الثغرات بين الوقائع مما لا حاجة إليه لفهم القصة ، بطريقة فنية عجيبة اخترق بها قصص القرآن أستار القرون ليأتي متلائما مع ما يسمونه « العرض التمثيلي » الذي نما في هذا العصر إلى أبدع أسلوب وصل إليه الأدب . فتجدنا مع قصص القرآن ننتقل من مشهد إلى مشهد ، كما لو كنا أمام القضية تعرض علينا صورا . فمن مشهد إرسال موسى ودعوته فرعون ، وتهديد فرعون بالقتل ، إلى مشهد مجلس خاص بين فرعون وحاشيته يبرز فيه مؤمن آل فرعون حيث يدور الحوار الذي يشغل القسم الأكبر من القصة ، إلى مشهد آل فرعون ، وقد حاق بهم سوء العذاب في ختام القصة . ومن تأمل سائر قصص القرآن تبين له ما عرضناه هنا ، وتذوق إعجاز أسلوب القرآن في القصة ، وزاد إحساسه بذلك إذا لاحظ البون الهائل بين القصة في الأدب العربي وآداب العالم في عصر نزول القرآن وما تطور إليه فنها في العصر الحديث .