نور الدين عتر

251

علوم القرآن الكريم

موقع من سرّ بلاغي ، وإعجاز بياني ، حتى في الكلمة الواحدة تختلف بها العبارة من موقع إلى موقع ، ونشأ عن هذا الغرض الأخير فنّ جليل دقيق هو « متشابه القرآن اللفظي » ، صنّف فيه العلماء عدة كتب ، أذكر منها كتاب « درة التنزيل وغرة التأويل » للراغب الأصفهاني . ومن أمثلة ذلك هذا التحليل نسوقه من الكتاب : قال تعالى في سورة الأنعام « 1 » : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ . وقال في سورة الإسراء « 2 » : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ . فالسؤال هنا : لم قدم في الأول : ضمير المخاطب نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وفي الثاني ضمير الغائب : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ . . . . والجواب عن هذا من أكثر من وجه نذكر منها ما يختص بالمعنى : إن الآية الأولى تحرّم قتل الأولاد الذي يدفع إليه الفقر النازل فعلا بالآباء كما قال مِنْ إِمْلاقٍ . فناسب لذلك تقديم ذكر الآباء لأنهم هم الذين يعانون الفقر فعلا ، وهو يدفع بعضهم للتخلص من أعز شيء عليه ، فكان الملائم للمقام هنا تقديم ذكر الآباء . أما الآية الثانية : فتحرم قتل الأولاد الذي يدفع إليه خوف الفقر في المستقبل خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لتضاعف مسؤوليات النفقة بسبب الأولاد . فناسب لذلك تقديم ذكر الأبناء نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ لضمان مستقبلهم من اللّه وإزاحة هذا التخوف والوسواس الذي تحرك في القلب بسببهم » « 3 » .

--> ( 1 ) الآية 152 . ( 2 ) الآية 32 . ( 3 ) درة التنزيل وغرة التأويل ص 339 . وقد طبع هذا الكتاب منسوبا للخطيب الإسكافي ، وذلك خطأ ، إنما هو للراغب ، كما وجدناه في مخطوطاته .