نور الدين عتر
221
علوم القرآن الكريم
الوجه الثالث : اتساق نظريات القرآن وأحكامه : جاء القرآن الكريم بهداية كاملة شاملة ، كافية وافية في جميع الشؤون المختلفة المتنوعة ، وزاد عدد آياته على ستة آلاف آية تناولت مختلف الموضوعات التي تزيد على المئات ، وجاء ذلك كله متفقا في معانيه وأحكامه ، متسقا في أسلوبه وإعجازه ، فكان ذلك دلالة على أنه كلام اللّه ، كما قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . وقد فصّل الإمام الغزالي وجه الدلالة بهذا تفصيلا وافيا بإيجاز جميل فقال « 2 » : « الاختلاف لفظ مشترك بين معان ، والمراد هنا نفي الاختلاف عن ذات القرآن ، يقال : هذا كلام مختلف ، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة ، أو هو مختلف الدعوى ، أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا ، أو هو مختلف النظم ، فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة وبعضه على أسلوب يخالفه . وكلام اللّه منزّه عن هذه الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره ، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، مسوق لمعنى واحد وهو دعوة الخلق إلى اللّه تعالى وصرفهم عن الدنيا إلى الدين . وكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات ، إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ، ثم اختلاف في درجات الفصاحة ، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين ، ولا يتساوى رسالتان وقصيدتان بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 81 . ( 2 ) كما نقل عنه السيوطي في الإتقان ج 2 ص 124 بتصرف يسير .