نور الدين عتر
199
علوم القرآن الكريم
تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإنّ يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزّكم وكنتم أسعد به . فقالوا : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم » « 1 » . ولقد تحيرت العرب في شأن هذا القرآن لأنه نزل بلسانهم ، لسان عربي مبين ، ثم هم يجدونه مباينا لكلامهم ، فحاروا ما ذا يقولون فيه من طغيان اللدد والخصومة . وإنه لخبر مشهور ، خبر تحير الملأ من قريش ، حينما ائتمرت حين حضر موسم الحج ، لكي يتفقوا على قول واحد يقولونه للناس ، وقد رأوا شتات كلامهم السابق المختلف ، وأداروا الرأي فيما يقولون في هذا القرآن وفي النبي الكريم الذي سوف يتلو هذا القرآن على الناس في الموسم ؟ . فطرحوا فكرة القول بأنه شاعر ، وأنه كاهن ، أو أنه مجنون أو ساحر ، وصاحب المشورة فيهم الوليد بن المغيرة يرد كل ذلك عليهم بالحجة والبرهان ، ثم قال : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لغدق ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : « ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته » . فهذا التحير المظلم الذي غشاهم وأخذ منهم بالكظم ، والذي نعته الوليد فأجاد النعت ، كان تحيرا لما يسمعون من نظمه ، وإعظاما ودهشة لما يحسون من إعجاز بيانه . ولهذا فإنهم كانوا يخافون أن يفلت الزمام من أحدهم فيدخل في الإسلام لتأثره بعظمة القرآن ، حتى قالوا لبعضهم كما سجل القرآن ذلك عليهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ . فكانوا إذا تلا النبي القرآن عليهم صخبوا وصفقوا كيلا يتمكن الناس من
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 90 - 91 .