نور الدين عتر
182
علوم القرآن الكريم
الرشاد ، ويبلّغه آخر هذه الأمة كما بلغه صلى اللّه عليه وسلم لأولها . فلو جاز أن يجري عليه تحريف أو زيادة أو نقص لما تحقق إنذاره صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن لمن يأتي من بعده ، كما أنذر الذين في عصره ، في حين أن الآية تخبر بإنذاره صلى اللّه عليه وسلم لمن في عصره ومن بعده على حد سواء . رابعا : لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص : لأدّى ذلك إلى ذهاب الثقة به ، ولأدّى ذلك إلى عدم الإيمان الجازم بما جاء به ، وكيف لا يوثق به ولا يقطع جزما بما جاء به ، مع أن اللّه تعالى بيّن لعباده أن هذا الكتاب الذي هو بجميع آياته موثوق به ومقطوع بحقيقته لا يتطرق الباطل ولا الخلل إلى جانب من جوانبه . قال تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن فحوى هذه الآية ونصها يناديان العباد ويخبرانهم أن الثقة كل الثقة ، واليقين كل اليقين ، والحق كل الحق ، في هذا الكتاب العزيز الذي لا يجد الباطل والوهم والكذب والافتراء والتلاعب وما شابه ذلك - لا يجد ذلك إلى الكتاب سبيلا أصلا . فلو جرى عليه تحريف أو زيادة أو نقص لذهبت الثقة واليقين به . أما ذهاب الثقة بالمزيد فالأمر بيّن . وأما ذهاب الثقة بالمزيد عليه فإن العاقل يقول : لعل في هذا الأصل زيادة أيضا ، فما يدرينا أنها كلّها أصل ؟ ! وأما ذهاب الثقة به حالة النقص : فذلك لأن بين الأصل المنقوص عنه والشيء الناقص منه ارتباطا في المعاني والأحكام والأخبار وغير ذلك ، ولو جرى عليه النقص لأدى ذلك إلى عدم الثقة بالناقص والمنقوص منه . فلا يكون أحد من المسلمين على ثقة بدينه ، لاحتمال نسخ بعض الصلوات أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها ، أو نسخ الزكاة أو مقاديرها ، أو نسخ الصيام أو الزيادة فيه أو بتبديله بغيره ، أو نسخ الحج ، أو تحليل الخمر والميسر ونحوهما من المحرمات ، أو تحريم بعض أنواع من الحلال ، وبذلك لا يكون أحد من الناس على عبادة إلا وهو على شك منها ، ولا يقدم على حلال ولا يحجم عن