نور الدين عتر

173

علوم القرآن الكريم

الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق » . فقد أفادت هذه الرواية فوائد لها أهميتها في فهم العمل الذي قام به عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، عني العلماء ببحثها ودراستها : وأول ذلك : السبب الدافع للعمل الذي قام به عثمان وهو اختلاف الناس في وجوه قراءة القرآن ، حتى قرءوه بلغاتهم - كما قال ابن التين « 1 » - على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخت تلك الصحف في مصحف واحد مرتّبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش . . . » . وهذا يوضح لنا فرقا جوهريا بين عمل أبي بكر وعمل عثمان ، وهو أن عمل أبي بكر كان جمع القرآن كله في نسخة معتمدة يشترك فيها الجميع لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته ، لأنه لم يكن مجموعا في نسخة واحدة موثقة ذلك التوثيق ، بل كان ما وجد من نسخ المصحف عند كتّاب الوحي على مسئوليتهم الخاصة . وأما نوع الاختلاف الذي حدث بين الناس في القراءة فيلخصه لنا الإمام أبو بكر الباقلاني في الانتصار بأن عثمان « إنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإلغاء ما ليس كذلك ، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ، ولا تأويل أثبت مع تنزيل . . . خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد » « 2 » .

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 60 ، وقارن بفتح الباري ج 9 ص 19 . ( 2 ) البرهان ج 1 ص 235 - 236 ، والإتقان الموضع السابق .