نور الدين عتر

159

علوم القرآن الكريم

الأعلى ، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم ، ثم في شأن بنيه وإغوائهم . . . » « 1 » . وهكذا نخلص بعد هذه الدراسة إلى أن حروف الهجاء الواقعة في فواتح السور لها شأن عظيم : افتتحت بها تسع وعشرون سورة ، وهو أكبر عدد بالنسبة لغيره من فواتح السور الأخرى ، وكل هذه السور مكية عدا البقرة وآل عمران ، وقد اشتملت السور التي افتتحت بهذه الحروف على بيان عظمة القرآن

--> ( 1 ) وأما إخضاع هذه الحروف إلى حساب رقمي - الذي ظهر حديثا - فقد سبق بمحاولة قديمة هي حساب الجمّل الذي توصل به بعضهم إلى وقائع معينة ، أو فضيلة شخص ، وكل منهما وكذا ما يشابههما من أي تفسير للقرآن - على هذا النحو - باطل مردود ، وذلك لأنه طريق غير مقبول للفهم في كلام العرب ، ولا يجوز فهم القرآن بغير طرائق فهمهم ، ولما في ذلك من فتح أبواب لأهل الباطل ، فإن كتابا كبيرا لا يخلو من أن تتفق فيه كلمات أو حروف مع رقم ما ، فهل نجعل ذلك دليلا على حقية ما يزعمه أصحاب هذا الرقم ؟ ! ثم إن اللّه تعالى تحدى العرب والعالم أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، من الكلام الدال على المعاني ، ولم يتحدّ أحدا بحروف تعدّ ثم تقسم على عدد ، فإدخال هذا الأمر خروج بالقرآن أسلوبا ومضمونا وإعجازا عن حقيقة القرآن . هذا لو فرضنا أن هذا الحساب المزعوم قد انتظم ، كيف وقد اختل على يد مدعيه ولم ينتظم . وليس أمر العدد جديدا ، بل قد لاحظ أسلافنا كثرة هذه الحروف في السورة التي افتتحت بها ، بل ذهبوا لما هو أبعد من ذلك وهو تلاؤم مضمون السورة لهذه الحروف ونغمها الموسيقى ، فعلمنا من هذه البحوث العددية المعاصرة تأكيد دراستهم فقط ، وهو إحكام القرآن ودقة نظمه وعمق أغواره ، ليس بطريق حساب عدد متوهم مزعوم بل بطريق دقة النظم وعمق التجاوب بين هذه الفواتح وسورها . قال الزركشي : « وقد عد بعضهم القافات التي وردت في سورة « ق » فوجدها سبعا وخمسين ، مع أن آيات السورة خمس وأربعون ، وفي سورة « ن » تكرر هذا الحروف أربع عشرة ومائة مرة وآياتها اثنتان وخمسون . . . كذلك أحصى العلماء عدد كلمات القرآن وحروفه ، وكلمات سوره وحروفها أيضا ، فلم يكن أمر الإحصاء والعدد غائبا عنهم . لكن العلماء كانوا أبعد نظرا وأسدّ مسلكا فإنهم أخذوا من هذا العمل بيان إحكام القرآن في نظمه ومعناه ، كما رأينا .