نور الدين عتر
134
علوم القرآن الكريم
1 - قال الإمام الغزالي « 1 » يرد هذه الشبهة محتكما إلى فهم معنى النسخ فقال : وهو عبارة عن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعدم لحوق خطاب يرفعه ، وليس من المحال أن يقول السيد لعبده : « قم » ، ولا يبين له مدة القيام ، وهو يعلم أن القيام مقتضى منه إلى وقت بقاء مصلحته في القيام ، ويعلم مدة مصلحته ولكن لا ينبه عليها ، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام مطلقا وأن الواجب الاستمرار عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود ، فإذا خاطبه بالقعود قعد ولم يتوهم بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا يعرفها والآن قد عرفها ، بل يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف أن الصلاح في أن لا ينبه العبد عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على الامتثال ، ثم إذا تغيرت مصلحته أمره بالقعود . 2 - إن القرآن الكريم رد على خرافة هؤلاء في شأن النسخ في قوله تعالى في سورة البقرة : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . فبين أن مسألة النسخ ناشئة عن مداواة وعلاج مشاكل الناس ، لدفع المفاسد عنهم وجلب المصالح لهم ، لذلك قال : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ، ثم عقّب فقال : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . 3 - الاستدلال بوقوع النسخ بين شرائع الأنبياء من لدن آدم إلى موسى عليه السلام ، واليهود يعترفون بذلك وبنبوة هؤلاء الأنبياء الذين نسخت شرائعهم أحكاما من شرائع أنبياء قبلهم ، فلما ذا يجحدون بنبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام متذرعين بزعم استحالة النسخ . . . وقد ذكر العلماء من النسخ الذي وقع في الشرائع السابقة أمثلة : منها أنه أحلّ لآدم تزويج بناته من بنيه من بطن آخر ثم حرم ذلك . وأباح اللّه تعالى لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها . وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها ،
--> ( 1 ) في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد أول القطب الرابع ص 99 .