نور الدين عتر
122
علوم القرآن الكريم
فقد دلّت الآية على أنّ من القرآن ما هو محكم ، ومنه ما هو متشابه ، فما هو المراد بهما هاهنا ؟ لقد تعددت الآراء في تعريف المحكم والمتشابه المذكورين في هذه الآية وكان السبب في ذلك اختلاف الوجهة التي ينظر منها صاحب كل رأي . ولعلنا إذا نظرنا إلى سياق الآية نخلص إلى ترجيح رأي الإمام الطيبي . المحكم : هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال . والمتشابه : هو الذي طرأ عليه خفاء في المعنى المراد منه « 1 » . فإن سياق الآية يؤيد هذا ، لأنه تعالى جعل المحكم مقابلا للمتشابه ، فينبغي أن يفسّر بما يقابله ، وأشار إلى أن المتشابه يحتاج إلى تأويل ، الأمّ فيه أي المرجع والأصل الذي يجب التعويل عليه هو المحكم . هل يمكن تفسير المتشابه : وبالنظر لغموض المتشابه وخطورة البحث فيه لكونه بحثا في كلام اللّه تعالى اختلفت الآراء فيه ، هل هو مما يمكن الاطلاع على علمه ، أو لا يمكن الاطلاع على علمه ، ولا يعلمه إلّا اللّه . وقد أرجعوا السبب في هذا الاختلاف إلى الاختلاف في آية آل عمران السابقة وقوله تعالى فيها : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . . . . فذهب بعض أهل العلم إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه ، وفسروا الآية على أن قوله وَالرَّاسِخُونَ معطوف على قوله إِلَّا اللَّهُ وقوله يَقُولُونَ في محل نصب حال ، ولا يقف هؤلاء على لفظ الجلالة اللَّهُ ، بل على قوله رَبِّنا . والمعنى أن اللّه هو الذي يعلم تأويله وكذا الراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، وتكون الآية دالة
--> ( 1 ) انظر رأي الطيبي في الإتقان ج 2 ص 4 .