عبد المنعم النمر
93
علم التفسير
فما دام منهج الاعتماد على الروايات قد جرحه المعتزلة هذا التجريح ، وأصبحت الثقة به ضعيفة ، فليعتمد هؤلاء على منهج جديد ، يلبى حاجة العقول في عصرهم ولا يعتمد على الرواية ، بل يعتمد على اللغة العربية والمعاني المستخرجة من حقيقتها ومجازها ، بالإضافة إلى ما استفادوه من علم المنطق وغيره . . وأقبلوا على القرآن يفسرونه بهذا المنهج ، وينصرون مذهبهم الاعتزالى بتأويل القرآن وإنزاله عليه كلما جاءت مناسبة تمس مذهب السنة ، أو الاعتزال ، واستعملوا مهارتهم الكلامية في ذلك ، حتى أو غلوا في التعسف في تأويل بعض الآيات وفي الوقت الذي ساد فيه مذهب الاعتزال ، وسانده الحلفاء العباسيون ، كان هؤلاء يعتقدون أنهم فرسان الحلبة في تفسير القرآن ، وعلم الكلام . بينما أهل السنة ممن يؤثرون التفسير بالمأثور وقفوا منهم موقف المعارض الذي يعتقد أن المعتزلة بمنهجهم هذا يعتدون على كلام الله ، وبعدت بينهم الشقة من هذه الناحية أيضا . . ولكن بدأ جو المعتزلة في الانكماش بعد تخلى الخلفاء عنهم ، وبعد ظهور أبى موسى الأشعري الذي وقف بعلم وعناد ضد مذهبهم . وبدأ أهل السنة في العمل في مجال التفسير وغيره بقوة ، فكان من ذلك مؤلفات في التفسير وغيره لعلماء في المغرب والمشرق . . لا سيما بعد أن أقبلوا على بضاعة المعتزلة من علم المنطق والفلسفة وغيرهما ، ليتخذوا منها أسلحة لبيان معاني القرآن ، ولتأييد آرائهم . . وللرد على مخالفيهم . وفي هذا الجو ظهر الامام فخر الدين محمد بن عمر بن الخطيب الرازي الشافعي . وقدم فيما قدم من مؤلفات تفسيره الذي سماه « مفاتيح الغيب » فكان أساسا وعمدة لأهل التفسير بالرأي من غير المعتزلة ، كما كان الطبري أساسا وعمدة لأهل التفسير بالمأثور . ويصبح من حقهما وحق القراء علىّ أن أذكر نبذة عنهما وعن تفسيرهما فيما بعد . .