عبد المنعم النمر

83

علم التفسير

وكان المتبع في ذلك الوقت الحرص على الرواية ، وذكر الأشخاص الذين اضطلعوا بها ، تحرجا من التفسير بالرأي الذي لم يكن ينظر إليه نظرة سليمة في ذلك الوقت ، مما أتاح فيما بعد للنقاد البصيرين بالرجال أن يتتبعوا الرواة وينقدوهم ، ويرفضوا ما يجدون فيه سببا للرفض . . كما نجد في تفسير الطبري وأمثاله من سرد الروايات ولكن لم يكر عليها بالنقد ، فترك القراء في دوامة ، ولا سيما من لم تكن عندهم خبرة بالرجال الذين رووا هذه الروايات ، وهم الكثرة الغالبة جدا من القراء . . وهذه التفسيرات - في رأيي - هي التي وضعت حجر الأساس في نشر الروايات الإسرائيلية والمدسوسة الموضوعة وترويجها في الأجيال المتعاقبة . . ولا يشفع لهم أنهم ذكروا سند الروايات . فليس كل قارئ لها عليما بأحوال رواتها . . أو غيورا على القرآن والاسلام ، يحرص على تنقيتها من الدخيل فيها . . وقد فتح هؤلاء بابا واسعا لمن أتى بعدهم في الاعتماد على ما تقول هذه الروايات ، دون ذكر السند وكأنه قضية مسلمة ولا سيما في التفاسير الصغيرة ، فرأينا الكثيرين ممن اشتغلوا بالتفسير يتوسعون في سرد هذه الأقوال الإسرائيلية منها وغير الإسرائيلية . وزاد الطين بلّة أن الأحاديث الموضوعة راجت وكثرت ، حتى كادت تطغى على الأصيلة ، « فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق » وشارك بعض المسلمين المخلصين مشاركة فعالة في هذا الوضع - وبحسن النية مع الأسف - ليشدوا الناس إلى القرآن ، كالأحاديث التي تذكر مع كل سورة لبيان فضلها وثواب قارئها ، ترغيبا في قراءة القرآن لأن الناس في ذلك الوقت كانوا قد عنوا بالجدل والعلوم الأخرى - كما يقول وضاعو هذه الروايات - وانصرفوا عن العناية بالقرآن . ولست أريد أن أشغل القارئ هنا بنقل النصوص الدالة على ذلك كله من الكتب التي عنيت بهذه المسائل لأن هذه القضايا أصبحت معروفة مسلما بها لدى المشتغلين بالتفسير « 1 »

--> ( 1 ) وأهم الكتب الحديثة التي تناولت هذا الموضوع - في رأيي - هو كتاب التفسير والمفسرون للشيخ المرحوم الدكتور محمد حسين الذهبي والبحث الذي قدمه لمجمع البحوث عن الإسرائيليات في -