عبد المنعم النمر
66
علم التفسير
[ مثل آخر ] ومثل آخر يوضح هذا ويؤكده ، وهو لا يتعلق بالمتشابه ، بل يتعلق بكلمة عادية ، ولهذا دلالته في موضوعنا ، روى أن عمر رضي الله عنه قرأ ( وَفاكِهَةً وَأَبًّا ) من سورة ( عبس ) فقال وما الأب ؟ ثم قال : ما كلفنا هذا ، مع أن الأب ليس من المتشابه ، ولكن عمر رأى السؤال تكلفا منهيا عنه ، إذ لا بد أن الأب نبات خلقه الله ، وهذا يكفى . والشاهد أن عمر كان من حفاظ القرآن . . وقرأ هذه الآية مرات . . حتى سأل نفسه أخيرا هذا السؤال ، ثم استدرك وأعلن أن البحث عن مثل هذا تكلف لا داعى له ، بل نهوا عنه . . . وعمر بلا شك كان يدرك المعنى الإجمالي . وهو العبرة المستمدة من خلق الله هذه الأشياء : « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا . وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » « 1 » فالأب لا يخرج عن كونه نباتا جعله الله مع ما ذكره من أنواع ما تنبته الأرض « متاعا لكم ولأنعامكم » أما ما هو بالذات . . فلم يكن يعرفه عمر كما روى ، والاشتغال بمعرفته تكلف كما قال . . . . والمعنى العام لا يتوقف على معرفته . . وقد رويت حادثة السؤال عن ( الأب ) بتشديد الباء ، بروايات مختلفة في بعضها زيادات عن البعض الآخر وكلها توضح المعنى الذي نريده . . ففي رواية أن عمر رضي الله عنه سأل نفسه عن الأب . ثم قال : ما كلفنا هذا ، كما سبق ، ورواية تقول : أن رجلا سأل عمر ، فقال له عمر : نهينا عن التكلف والتعمق . . وفي رواية أن عمر قرأ ( وَفاكِهَةً وَأَبًّا ) فقال هذه الفاكهة عرفناها ، فما الأب ؟ . . ثم استدرك وقال : هو التكلف . فما عليك ألا تدريه . . وقد أورد الإمام الشاطبى روايتين من هذه الروايات ، وضم إليهما رواية تأديب عمر لصبيغ ، لسؤاله عن المرسلات الخ . . ثم قال : ( وظاهر من هذا كله أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبي معلوم على الجملة ، ولا ينبنى على فهم هذه الأشياء حكم تكليفي فرأى الاشتغال به عن غيره مما هو أهم منه تكلف ) .
--> ( 1 ) سورة عبس 24 وما بعدها .