عبد المنعم النمر

52

علم التفسير

بل وحياتهم . فلم يكن من المعقول في هذا الظرف أن تثور مناقشات نظرية حول هذه المتشابهات التي نزل أكثرها بمكة . . وقضى رسول الله في المدينة نحو عشر سنوات كذلك ، قضاها كلها في دفاع وحروب مستمرة فرضها عليه أعداؤه . . فكانت كلها سنوات طوارئ بلغتنا الحديثة . . وفي حالات الطوارئ لا يقبل فيها من الكلام والمناقشات ما يقبل عادة في حالات الأمن والرخاء . . بل تفرض التعبئة العامة جوها على الحياة وعلى الأفكار . . هل يكون من المقبول والمستساغ لدينا - إذا كنا في حالة حرب أو طوارئ وتعبئة - أن نثير في الصحف بحوثا ومجالات نظرية تشغل الأفكار وتمزقها ، ولو حول بعض المسائل الدينية البعيدة عن جونا الذي نعيش فيه ؟ هل يستساغ أن نثير في مثل هذه الحالة بحثا حول جواز ترجمة القرآن مثلا ، أو عدم جوازها ؟ أو حول من كان أحق بالخلافة . أبو بكر أم على ؟ . أو حول المراد من الحروف المقطعة التي بدئت بها بعض السور ؟ أو حول القضاء والقدر ؟ وهل الإنسان مسير أو مخير ؟ - أو حول القرآن ، وهل هو مخلوق ، أو غير مخلوق ؟ . أو نثير بحثا حول الشعر القديم والشعر الحديث ؟ . أو نعيد سيرة البيزنطيين فنتناقش : أيهما الأصل : البيضة أم الدجاجة ؟ ! ! وإذا كنا لا نستسيغ ذلك حاليا مع شهوتنا الملحة دائما في الكلام والجدل ، فكيف يمكن أن نطلب من الرسول . . وصحابته وقد كانوا في حالة طوارئ مستمرة ، وحالة حرب ، وخطر الحرب ، أن يسألوا ويبحثوا في أشياء نظرية ، وبعضها قد يثير الاضطراب الفكري ، ويبعثر الجهود ، ويشتت الأفكار ، ويؤدى إلى الدخول في التيه ؟ . . ولكن أليس في فهم معنى يد اللّه وسمعه وبصره اتصال بالعقيدة ؟ نعم . . كان له اتصال . . ولكنهم فهموه فهما إجماليا وتركوه ، واكتفوا بهذا ولم ينساقوا إلى ما وراءه مما أثير بعد ذلك . . اكتفوا واكتفى منهم الرسول بأنهم مؤمنون بالله وبصفاته كما جاء في كتابه ، وليس لهم أن يشغلوا أنفسهم وأفكارهم بالبحث