عبد المنعم النمر

30

علم التفسير

فابن عباس لا يقف هذا الموقف ، أو يحمل هذه الحملة ، إلا لأنه رأى أن إقبال المسلمين على التعلم من أهل الكتاب ، والتأثر بهم ، قد أصبح ظاهرة تنذر بالخطر . . وهي ظاهرة تشبه الظاهرة التي تقلق الكثيرين منا الآن ، والتي تتمثل في الإقبال على كل ما يرد لنا من الغرب من أفكار وأنظمة ، والإعجاب بها ، مع عدم الالتفات الواجب إلى كتابنا وعلمنا وأفكارنا . . وذلك يشبه التهيؤ النفسي لفقد الثقة بالنفس في أمر مهم يتصل بصميم كيان المسلمين ، وكتابهم . . ألا ترى لقول ابن عباس لهم : ( ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم ) فلم إذن تعتمدون على علمهم وتثقون بكلامهم ؟ . فلم يحمل ابن عباس على هذا الهجوم - إذن - إلا الخطر الذي أحسه من الاندلاق على معلومات أهل الكتاب في أمور لا تلزم المسلمين . ولا ينقص من شأنهم عدم العلم بها ، بل ربما شوّشت عليهم ونخرت عقولهم . فهل يعقل مع هذه الصرخة والشدة أن ينقل ابن عباس عن أهل الكتاب ويصدقهم ؟ ! ! ومع ذلك فان هذه الظاهرة تبين لنا إلى أي حد اختلطت معلومات المسلمين - في القصص وأمثالها - بمعلومات أهل الكتاب ، مما يدعونا إلى الشك في كل رواية في هذا الموضوع ، حتى ولو رويت عن رجل ثقة لا نشك في عدالته . ، إذ من الذي أنبأه وخبره ؟ ومن أين استقى العلم الذي يقوله ؟ . . وكثير من المزيفين زيفوا على العدول روايات ، ونسبوها إليهم . . وإننا لا نستطيع القول بأن الناس - كل الناس - قد امتنعوا عن مساءلة أهل الكتاب ، أو أن هذه الظاهرة التي أقلقت ابن عباس قد اختفت ، وقضى عليها في كل مجتمعات العالم الإسلامي حينذاك ، بمجرد أن ابن عباس أو غيره ممن يكون قد هالته هذه الظاهرة قد نبه وقرع الأجراس . حديث آخر وهناك حديث لا بد من إيراده هنا ، فإني أعرف أن كثيرا من القراء المتخصصين سيذكرونه ، وهم يقرءون هذا الإنكار على من يأخذ من أهل الكتاب في تفسير القرآن ، أو ربما ذكروه فيما كتبوا .