عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
641
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
قال الحافظ - رحمه الله - في ترجمة رَأى كَوْكَباً [ الآية : 76 ] : « واستثنى
--> - فإنها يقع عليها ميم الجمع ، ومع ذلك هي حرف . وقال الفراء : موضع الكاف نصب ، وتأويلها رفع ؛ لأن الفعل يتحول عن التاء إليها ، وهي بمنزلة الكاف في ( دونك ) إذا أغرى بها ، كما تقول : دونك زيدا ، فتجد الكاف في اللفظ خفضا ، وفي المعنى رفعا ؛ لأنها مأمورة ؛ فكذلك هذه الكاف موضعها نصب ، وتأويلها رفع . قلت : وهذه الشبهة باطلة بما تقدم ، والخلاف في : دونك ، وإليك ، وبابهما مشهور . وقال الفراء أيضا كلاما حسنا رأيت أن أذكره ؛ فإنه متين نافع ، قال : للعرب في ( أرأيت ) لغتان ، ومعنيان : أحدهما : رؤية العين ، فإذا أردت هذا عديت الرؤية بالضمير إلى المخاطب ، ويتصرف تصرف سائر الأفعال ، تقول للرجل : أرأيتك على غير هذه الحال ؟ تريد : هل رأيت نفسك ، ثم تثنى وتجمع ، فتقول : أرأيتكما ، أرأيتكم ، أرأيتكن . والمعنى الآخر : أن تقول : أرأيتك ، وأنت تريد معنى : أخبرني ، كقولك : أرأيتك إن فعلت كذا ما ذا تفعل ؟ أي : أخبرني ، وتترك التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال ، تقول : أرأيتكما ، أرأيتكم ، أرأيتكن ، وإنما تركت العرب التاء واحدة ؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعا من المخاطب على نفسه ؛ فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في الكاف ، وتركوا التاء على التذكير والتوحيد ، إذا لم يكن الفعل واقعا . قال : والرؤية من الأفعال الناقصة التي يعدّيها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل : ظننتنى ، ورأيتني ، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة ، لا يقولون للرجل : قتلتك ، بمعنى : قتلت نفسك ، ولا أحسنت إليك ، كما يقولون : متى تظنك خارجا ، وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يلغى ، وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه ؛ ألا ترى أنك تقول : أنا - أظن - خارج ، فتخلى ( أظن ) ، وقال الله تعالى : أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 7 ] ولم يقل : رأى نفسه ، وقد جاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص ، قال جران العود : لقد كان لي عن ضرتين عدمتنى * وعما ألاقى منهما متزحزح والعرب تقول : عدمتنى ، ووجدتنى ، وفقدتنى ، وليس بوجه الكلام انتهى . واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب ب ( أرأيتك ) نحو : أرأيتك زيدا ما صنع ، فالجمهور على أن ( زيدا ) مفعول أول ، والجملة بعده في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني . وقد تقدم أنه لا يجوز التعليق في هذه ، وإن جاز في غيرها ، من أخواتها ، نحو : علمت زيدا أبو من هو . وقال ابن كيسان : إن الجملة الاستفهامية في : أرأيتك زيدا ما صنع ، بدل من ( أرأيتك ) . وقال الأخفش : إنه لا بد بعد ( أرأيت ) التي بمعنى : أخبرني ، من الاسم المستخبر عنه ، ويلزم الجملة التي بعده الاستفهام ؛ لأن « أخبرني » موافق لمعنى الاستفهام ، وزعم أيضا أنها تخرج عن بابها فتكون بمعنى : أما أو تنبه ، وحينئذ لا يكون لها مفعولان ، ولا مفعول واحد ، وجعل من ذلك : أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [ الكهف : 63 ] ، وهذا ينبغي ألا يجوز ؛ لأنه إخراج للفظة عن موضوعها من غير داع إلى ذلك . ينظر : الدر المصون ( 3 / 55 - 58 ) .