عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

40

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

وسكون الشين وهذا اللفظ في جميع المواضع المذكورة المختلف فيها والمتفق عليها معناه واحد وهو الحق والخير والصلاح والصواب . فلو كان اختلاف القراءات وليد خلوّ المصاحف من ضبط الحروف بالحركات والسكنات - لقرئ هذا اللفظ في جميع مواقعه بقراءتين ؛ إذ إن اللغة تجيز كلتا القراءتين ومعنى اللفظ لا يختلف عليهما . أما وقد اتفق القراء على قراءته بوجه واحد في بعض المواضع ، واختلفوا في قراءته في بعض المواضع فقرءوه بوجهين - : فلا يكون ذلك راجعا إلا إلى اتفاق النقل في المواضع المتفق عليها واختلافه في المواضع المختلف فيها ، وليس لرسم المصاحف دخل في هذا البتة . حادي عشر : اختلف القراء في قراءة كلمة : « ينفخ » في قوله تعالى ، في سورة « طه » : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [ طه : 102 ] فقرأها بعضهم بياء تحتية مضمومة مع فتح الفاء على البناء للمفعول ، وقرأها بعضهم : بالنون المفتوحة مع ضم الفاء على البناء للفاعل . واتفقوا على قراءة هذه الكلمة : « ينفخ » بضم الياء وفتح الفاء في قوله تعالى في سورة « النمل » : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النمل : 87 ] . وفي قوله تعالى في سورة « النبأ » : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] . مع أن سياق الآيتين المذكورتين لا يأبى القراءة بالنون فيهما . أما آية « النمل » : فقراءتها بالنون تتسق مع أسلوب الآيات قبلها ؛ اقرأ إن شئت من قوله تعالى : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ إلى قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ النمل : من 82 : 86 ] وتدبر هذه الكلمات : أخرجنا ، نحشر ، بآياتنا ، إنا جعلنا . وأما آية « النبأ » : فقراءتها بالنون تلائم أسلوب الآيات قبلها : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [ النبأ من 8 : 16 ] . ومع هذا لم يقرأ أحد من الأئمة بالنون في آية من هاتين الآيتين ؛ فدل هذا على أن القراءات إنما تثبت بالتلقى والتوقيف لا بالاجتهاد والاختيار .