عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

34

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

ولما كتبت المصاحف العثمانية ، وأرسلت إلى الأمصار الإسلامية ، لم يكتف الخليفة عثمان بإرسالها إلى الأمصار وحدها ؛ لتكون الملجأ والمرجع ، بل أرسل مع كل مصحف عالما من علماء القراءة يعلم المسلمين القرآن وفق هذا المصحف وعلى مقتضاه ، فأمر زيد ابن ثابت أن يقرئ بالمدينة ، وبعث عبد اللّه بن السائب إلى مكة ، والمغيرة بن شهاب إلى الشام ، وعامر بن عبد قيس إلى البصرة ، وأبا عبد الرحمن السلمى إلى الكوفة ، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يقرئ أهل مصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بطريق التواتر التي يحتملها رسم المصحف ، دون الثابتة بطريق الآحاد والمنسوخة ، وإن كان يحتملها رسم المصحف ، فالمقصود من إرسال القارئ مع المصحف - تقييد ما يحتمله الرسم من القراءات بالمنقول عنها تواترا ، فلو كانت القراءات مأخوذة من رسم المصحف ، وساغ لكل إنسان أن يقرأ بكل قراءة يحتملها الرسم ، سواء كانت ثابتة بطريق التواتر أم بطريق الآحاد ، أم كانت منسوخة - لم يكن ثمّ حاجة إلى إرسال عالم مع المصحف ، فإيفاد عالم مع المصحف دليل واضح على أن القراءة إنما تعتمد على التلقي والنقل والرواية ، لا على مجرد الخط والرسم والكتابة « 1 » . أمثلة توضيحية نرد بها على المستشرقين : وأزيد هذه المسألة إيضاحا فأقول : في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة ورسمت برسم واحد في جميع المواضع ولكنها في بعض المواضع ، وردت فيها القراءات التي يحتملها رسمها ، فاختلف فيها القراء ، وتنوعت فيها قراءاتهم ، وفي بعض المواضع : اتفق القراء على قراءتها بقراءة واحدة ؛ لأن غيرها لم يصح به النقل ، ولم تثبت به الرواية ، مع أن الرسم يحتمله . وهاك بعض الأمثلة : أولا : كلمة « مالك » ذكرت في القرآن وصفا أو في حكم الوصف في ثلاثة مواضع : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] . قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [ آل عمران : 26 ] مَلِكِ النَّاسِ [ الناس : 2 ]

--> ( 1 ) ينظر : بحوث قرآنية المؤتمر السادس ص ( 80 - 81 ، 140 - 145 ) .