محمد بن محمد النويري
84
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
--> حمدت الرجل على ما أنعم به ، وحمدته على شجاعته ، ويكون باللسان وحده ، دون عمل الجوارح ، إذ لا يقال : حمدت زيدا أي : عملت له بيدي عملا حسنا ، بخلاف الشكر ؛ فإنه لا يكون إلا على نعمة مبتدأة إلى الغير . يقال : شكرته على ما أعطاني ، ولا يقال : شكرته على شجاعته ، ويكون بالقلب ، واللسان ، والجوارح ؛ قال الله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] وقال الشاعر : أفادتكم النعماء منى ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا فيكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه ذكره ابن عادل الحنبلي ، ثم قال : وقيل : الحمد هو الشكر ؛ بدليل قولهم : « الحمد لله شكرا » . وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلق ، والحمد أعم من الشكر . وقيل : الحمد : الثناء عليه تعالى بأوصافه ، والشكر : الثناء عليه بأفعاله ، فالحامد قسمان : شاكر ومثن بالصفات الجميلة . وقيل : الحمد مقلوب من المدح ، وليس بسديد - وإن كان منقولا عن ثعلب ؛ لأن المقلوب أقل استعمالا من المقلوب منه ، وهذان مستويان في الاستعمال ، فليس ادعاء قلب أحدهما من الآخر أولى من العكس ، فكانا مادتين مستقلتين . وأيضا فإنه يمتنع إطلاق المدح حيث يجوز إطلاق الحمد ، فإنه يقال : حمدت الله - تعالى - ولا يقال : مدحته ، ولو كان مقلوبا لما امتنع ذلك . ولقائل أن يقول : منع من ذلك مانع ، وهو عدم الإذن في ذلك . وقال الراغب : « الحمد لله » : الثناء بالفضيلة ، وهو أخص من المدح ، وأعم من الشكر ، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ، وما يكون منه بغير اختيار ، فقد يمدح الإنسان بطول قامته ، وصباحة وجهه ، كما يمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه ، والحمد يكون في الثاني دون الأول . قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه : أحدها : أن المدح قد يحصل للحى ، ولغير الحي ، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن ، فإنه يمدحها ؟ فثبت أن المدح أعم من الحمد . الثاني : أن المدح قد يكون قبل الإحسان ، وقد يكون بعده ، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان . الثالث : أن المدح قد يكون منهيّا عنه ؛ قال عليه الصلاة والسلام : « احثوا التراب في وجوه المداحين » . أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - : « من لم يحمد الناس لم يحمد الله » . الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصّا بنوع من أنواع الفضائل . وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصّا بفضيلة معينة ، وهي فضيلة الإنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد . وأما الفرق بين الحمد والشكر ، فهو أن الحمد يعم إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر ، فهو مختص بالإنعام الواصل إليك . وقال الراغب - رحمه الله - : والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة ، فكل شكر حمد ، وليس كل حمد شكرا ، وكل حمد مدح ، وليس كل مدح حمدا . ويقال : فلان محمود إذا حمد ، ومحمد وجد محمودا ، ومحمد كثرت خصاله المحمودة . وأحمد أي : أنه يفوق غيره في الحمد ينظر اللباب ( 1 / 168 - 170 ) .