محمد بن محمد النويري
51
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
--> بالباقين ، ويرفع مجلس الفضلاء ، ويكرمهم بالقيام لهم على سبيل الاحترام ، وقد ينكر القيام من لا تحقيق عنده ، وقد جمعت جزءا فيه الترخيص فيه ودلائله ، والجواب عما يوهم كراهته . وينبغي أن يصون يديه عن العبث ، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة ، ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة للخطاب ، ويجلس في موضع يبرز فيه وجهه لكلهم ، ويقدم على الدرس تلاوة ما تيسر من القرآن ، ثم يبسمل ، ويحمد الله تعالى ، ويصلى ويسلم على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله ثم يدعو للعلماء الماضين ومشايخه ، ووالديه ، والحاضرين ، وسائر المسلمين ، ويقول : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، اللهم إني أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على . . . ولا يذكر الدرس وبه ما يزعجه كمرض ، أو جوع ، أو مدافعة الحدث ، أو شدة فرح وغم ولا يطول مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم بعض الدرس أو ضبطه ؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم ، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فاته المقصود . وليكن مجلسه واسعا ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة ، ولا يخفضه خفضا يمنع بعضهم كمال فهمه ، ويصون مجلسه من اللغط ، والحاضرين عن سوء الأدب في المباحثة ، وإذا ظهر من أحدهم شئ من مبادئ ذلك تلطف في دفعه قبل انتشاره ، ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغي أن يكون لله تعالى ، فلا يليق بنا المنافسة والمشاحنة ، بل شأننا الرفق والصفاء ، واستفادة بعضنا من بعض ، واجتماع قلوبنا على ظهور الحق ، وحصول الفائدة . وإذا سأل سائل عن أعجوبة فلا يسخرون منه ، وإذا سئل عن شئ لا يعرفه ، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه ، فليقل : لا أعرفه أو لا أتحققه ، ولا يستنكف عن ذلك ، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم : لا أعلم ، أو الله أعلم ، فقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : يا أيها الناس ، من علم شيئا فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم : الله أعلم ، قال الله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ ص : 86 ] ، رواه البخاري ، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : نهينا عن التكلف . رواه البخاري وقالوا : ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدرى . معناه : يكثر منها ، وليعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم : لا أدرى لا يضع منزلته ، بل هو دليل على عظم محله ، وتقواه ، وكمال معرفته ؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة ، بل يستدل بقوله : لا أدرى على تقواه ، وأنه لا يجازف في فتواه ، وإنما يمتنع من : لا أدرى من قل علمه ، وقصرت معرفته ، وضعفت تقواه ؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين ، وهو جهالة منه ، فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم ، ولا يرفعه ذلك عما عرف له من القصور ، بل يستدل به على قصوره ؛ لأنا إذا رأينا المحققين يقولون في كثير من الأوقات : لا أدرى ، وهذا القاصر لا يقولها أبدا علمنا أنهم يتورعون لعلمهم وتقواهم ، وأنه يجازف لجهله ، وقلة دينه ، فوقع فيما فر منه ، واتصف بما احترز منه ، لفساد نيته وسوء طويته ، وفي الصحيح عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور » . فصل : وينبغي للمعلم أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل ، ويختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل ، ويثنى عليه بذلك ، ترغيبا له وللباقين في الاشتغال والفكر في العلم ، وليتدربوا بذلك ويعتادوه ، ولا يعنف من غلط منهم في كل ذلك إلا أن يرى تعنيفه مصلحة له ، وإذا فرغ من تعليمهم أو إلقاء درس عليهم أمرهم بإعادته ، ليرسخ حفظهم له ، فإن أشكل عليهم منه شئ ما ، عاودوا الشيخ في إيضاحه . فصل : ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره ، وهذه مصيبة يبتلى بها