محمد بن محمد النويري
279
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
وقد ذكر في هذا [ البيت ] « 1 » حكم الاستعاذة ، والكلام عليها من وجوه : الأول : في محلها . وهو قبل القراءة اتفاقا . وأما قول الهذلي في ( كامله ) : قال حمزة في رواية [ ابن ] « 2 » قلوقا : « إنما يتعوذ بعد الفراغ » ، وبه قال [ أبو ] « 3 » حاتم ، فلا دليل فيه ؛ لأن رواية ابن قلوقا عن حمزة منقطعة في « الكامل » لا يصح إسنادها ، وكل من ذكر هذه الرواية [ عنه ] « 4 » كالدانى والهمذاني ، وابن سوار ، وغيرهم لم يذكروا ذلك ؛ ولذا « 5 » لم يذكر أحد عن أبي حاتم ما ذكره الهذلي ، ولا دليل لهم في الآية « 6 » ؛ لجريانها « 7 » على ألسنة العرب وعرفهم « 8 » ؛ لأن تقديرها : إذا أردت القراءة ؛ كقوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] ؛ وكالحديث : « من أتى الجمعة فليغتسل » « 9 » ، وأيضا فالمعنى الذي شرعت له يقتضى تقدمها ، وهو الالتجاء إلى الله تعالى
--> ( 1 ) سقط في م . ( 2 ) سقط في ص . ( 3 ) سقط في ز ، م . ( 4 ) سقط في م . ( 5 ) في م ، د : وكذا . ( 6 ) يعنى قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] ؛ حيث دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط ، وذكر الاستعاذة جزاء ، والجزاء متأخر عن الشرط ؛ فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة . وقد قيل في تأييد هذا الاستدلال : إن هذا موافق لما في العقل ؛ لأن من قرأ القرآن ، فقد استوجب الثواب العظيم ، فربما يداخله العجب ؛ فيسقط ذلك الثواب ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ثلاث مهلكات . . . » ، وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ فلهذا السبب أمره الله - تعالى - بأن يستعيذ من الشيطان ؛ لئلا يحمله الشيطان بعد القراءة على عمل محبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي : إذا أردت قراءة القرآن ؛ كما في قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [ المائدة : 6 ] والمعنى : إذا أردتم القيام فتوضئوا ؛ لأنه لم يقل : فإذا صليتم فاغسلوا ، فيكون نظير قوله : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ وإن سلمنا كون هذه الآية نظير تلك . فنقول : نعم ، إذا قام يغسل عقيب قيامه إلى الصلاة ؛ لأن الأمر إنما ورد بالغسل عقيب قيامه ، وأيضا : فالإجماع دل على ترك هذا الظاهر ، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل ، فإنه لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل . ينظر اللباب ( 1 / 82 ، 83 ) . ( 7 ) في م : بجريانها . ( 8 ) في ص : وغيرهم عرفهم . ( 9 ) قال جمهور الفقهاء : إن قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ يحتمل أن يكون المراد منه : إذا أردت ، وإذا ثبت الاحتمال ، وجب حمل اللفظ عليه ؛ توفيقا بين الآية وبين الخبر المروى عن جبير ابن مطعم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح الصلاة قال : « الله أكبر كبيرا : ثلاث مرات ، والحمد لله كثيرا : ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا : ثلاث مرات ، ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه » . والحديث أخرجه البخاري ( 3 / 59 )