محمد بن محمد النويري

18

شرح طيبة النشر في القراءات العشر

قوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [ التوبة : 18 ] ، وأخرى فيها أجوبة عن إشكالات معقولية ونحوها ، وأخرى من نظمه فيها أشياء فقهية وغيرها وغير ذلك . وحج مرارا وجاور في بعضها ، وأقام بغزة والقدس ودمشق وغيرها من البلاد ، وانتفع به في غالب هذه النواحي ، مع أنه لو استقر بموطن واحد كان أبلغ في الانتفاع به وكذا انتفعوا به في الفتاوى . وكان إماما عالما علامة متفننا فصيحا مفوها بحاثا ذكيّا ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، صحيح العقيدة شهما مترفعا على بنى الدنيا ونحوهم ، مغلظا لهم في القول ، متواضعا مع الطلبة والفقراء ، وربما يفرط في ذلك وفي الانبساط معهم كبيرهم وصغيرهم ، عالي الهمة باذلا جاهه مع من يقصده في مهمة ، ذا كرم بالمال والإطعام ، يتكسب بالتجارة بنفسه وبغيره مستغنيا بذلك عن وظائف الفقهاء ؛ ولذا قيل : إنه عرض عليه قضاء المقدس فامتنع ، بل قيل : إنه طلب لقضاء مصر فأبى ، ولكن قيل أيضا إنه ولى قضاء الشام فلم يتم ، قال السخاوي في « الضوء اللامع » : وحكى لي البدر السعدي قاضى الحنابلة أنه بينما هو عنده في درسه إذ حضر إليه الشرف الأنصاري بمربعة بمرتب العيني في الجوالى بعد موته ، وهو في كل يوم دينار ، فردها وقال : إن جقمق يروم يستعبدنى في موافقته بهذا المرتب ، أو كما قال . وابتنى بالخانقاه السرياقوسية مدرسة ووقف عليها ما كان في حوزته من أملاك وجعل فائضها لأولاده . وكان ابن حجر شيخ الإسلام العسقلاني كثير الإجلال والتبجيل له معتمدا عليه في مذهبه . قال السخاوي : سمعت العز قاضى الحنابلة يقول : إنه لم يخلف بعده في مجموعه مثله ، وقد اجتمعت به مرارا بالقاهرة ومكة وسمعت من فوائده وعلقت من نظمه أشياء ومن ذلك قوله : وأفضل خلق الله بعد نبينا * عتيق ففاروق فعثمان مع علي وسعد سعيد وابن عوف وطلحة * عبيدة منهم والزبير فتم لي كذا قال : عبيدة ، وإنما هو أبو عبيدة . وكانت فيه حدة مفرطة واستحالة في أحواله وطرقه . مات بمكة في ضحى يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة سبع وخمسين ، وصلى عليه بعد العصر عند باب الكعبة ، ونودي عليه من أعلى قبة زمزم ودفن بالمعلاة بمقبرة بنى النويري ، وكانت جنازته حافلة ، رحمه الله وإيانا .