محمد بن محمد النويري
150
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
الثالث : ما المقصود بهذه السبعة ؟ فأقول : أجمعوا أولا على أن المقصود ليس هو أن يقرأ الحرف الواحد على سبعة أوجه « 1 » ؛ إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات يسيرة نحو أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] و لِجِبْرِيلَ [ البقرة : 97 ] و هَيْهاتَ [ المؤمنون : 36 ] و هَيْتَ [ يوسف : 23 ] وعلى أنه ليس المراد بالسبعة : هؤلاء المشهورين ؛ لعدم وجودهم في ذلك الوقت . ثم اختلفوا فقال أكثرهم : هي لغات ، ثم اختلفوا في تعيينها : فقال أبو عبيد : ( قريش ) و ( هذيل ) و ( ثقيف ) و ( هوازن ) و ( كنانة ) و ( تميم ) و ( اليمن ) . وقال غيره : خمس لغات في أكناف هوازن : ( سعد ) و ( ثقيف ) و ( كنانة ) و ( هذيل ) و ( قريش ) ، ولغتان على جميع ألسنة العرب .
--> من قوله عليه السلام : « نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف » ، أراد بالحرف اللغة . قال أبو عبيد وأبو العباس : نزل على سبع لغات من لغات العرب . قال : وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ، هذا لم يسمع به ، قال : ولكن يقول هذه اللغات متفرقة في القرآن ، فبعضه بلغة قريش ، وبعضه بلغة أهل اليمن ، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه بلغة هذيل وكذلك سائر اللغات ومعانيها في هذا كله واحد . وقال غيره : وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ، على أنه قد جاء في القرآن ما قد قرئ بسبعة وعشرة نحو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] و وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [ المائدة : 60 ] ومما يبين ذلك قول ابن مسعود : إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين ، فاقرءوا كما علمتم إنما هو كقول أحدكم هلم وتعال وأقبل . قال ابن الأثير : وفيه أقوال غير ذلك ، هذا أحسنها . والحرف في الأصل : الطرف والجانب ، وبه سمى الحرف من حروف الهجاء . وروى الأزهري عن أبي العباس أنه سئل عن قوله : نزل القرآن على سبعة أحرف فقال : ما هي إلا لغات . قال الأزهري : فأبو العباس النحوي ، وهو واحد عصره قد ارتضى ما ذهب إليه أبو عبيد واستصوبه . قال : وهذه الأحرف السبعة التي معناها اللغات غير خارجة من الذي كتب في مصاحف المسلمين التي اجتمع عليها السلف المرضيون والخلف المتبعون . فمن قرأ بحرف لا يخالف المصحف بزيادة أو نقصان أو تقديم مؤخر أو تأخير مقدم ، وقد قرأ به إمام من أئمة القراء المشتهرين في الأمصار ، فقد قرأ بحرف من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها . ومن قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف في ذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب ، وهذا مذهب أهل العلم الذين هم القدوة ومذهب الراسخين في علم القرآن قديما وحديثا ، وإلى هذا أومأ أبو العباس النحوي وأبو بكر بن الأنباري في كتاب له ألفه في اتباع ما في المصحف الإمام ، ووافقه على ذلك أبو بكر بن مجاهد مقرئ أهل العراق وغيره من الأثبات المتقنين ، قال : ولا يجوز عندي غير ما قالوا ، والله تعالى يوفقنا للاتباع ويجنبنا الابتداع . ينظر : لسان العرب ( 2 / 837 - 838 ) . ( 1 ) في م : أحرف .