علي أكبر السيفي المازندراني

90

دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية

المطلقة وعدم احتياجه . وما دلّ من الآيات على وجوب عبادة اللّه ؛ معلّلا بأنّه ربّ الناس وخالقهم . وهذا ممّا يحكم به العقل العملي . كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 1 » . وما دلّ على وجوب طاعة اللّه ، كقوله تعالى : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ « 2 » ؛ حيث يستقل العقل العملي بلزوم طاعة اللّه شكرا لنعمائه . وقد ورد أيضا في القرآن الكريم آيات يظهر منها ما يخالف حكم العقل البديهي ، ولا بد من تأويل هذه الآيات وتفسيرها بما يوافق العقل . كقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 3 » ، وقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ « 4 » . فلو حمل لفظ العرش على معناه الموضوع له ، يكون المعنا إنّ اللّه جلس على السرير كجلوس السلاطين على سررهم . وهذا لمّا يستلزم جسمانية وجوده تعالى وتحيّزه ، يستقل العقل بامتناعه . ومثله قوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 5 » و وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 6 » . فلا بد من تأويل اليد في هاتين الآيتين ونحوهما على المعنا الكنائي ، بأن يراد الكناية عن قدرته تعالى ، كما قد يستعمل أهل العرف لفظ اليد في ذلك مع القرينة . وفي هذا المجال الواسع مباحث نافعة ، يأتي تفصيلها في الحلقة الثانية ، إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) البقرة : 21 . ( 2 ) النور : 54 . ( 3 ) طه : 5 . ( 4 ) الأعراف : 54 . ( 5 ) الفتح : 10 . ( 6 ) المائدة : 64 .