علي أكبر السيفي المازندراني

193

دروس تمهيدية في القواعد التفسيرية

ومنها : قوله تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 1 » ؛ حيث استدلّ الفقهاء بهذه الآية على مشروعية التقليد ؛ نظرا إلى كون ماهيته رجوع الجاهل إلى العالم والسؤال عنه فيما لا يعلمه . ولكن أشكل الفقيه المدقّق السيد الخوئي « 2 » على هذا الاستدلال ؛ بأنّ هذه الآية إنّما نزلت في الأمر بالسؤال عن علماء اليهود في مسألة رسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله لغرض ردّ استغراب رؤساء القبائل وأشرافهم وأعيانهم تخصيص رجل مثلهم ومن بينهم بالرسالة والنبوة . ومسألة النبوّة أمر اعتقادي لا يجوز فيه التقليد والتعبّد بقول الخبرة ، بل يجب فيه تحصيل اليقين . وإنّما أمر اللّه بذلك ليرتفع بذلك شكّهم في رسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وتركهم استغرابها . فلا تصلح هذه الآية للاستدلال المزبور . وأنت ترى أنّ هذا الاشكال مبنيّ على قاعدة السياق ؛ لأنّ صرف الآية المزبورة إلى مسألة نبوّة نبيّنا وحصر مورد السؤال فيها ، إنّما هو بدلالة سياق هذه الآية ؛ نظرا إلى ما جاء في صدرها بقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 3 » ، وبقرينة سياق الآيات السابقة المتضمّنة لانكارهم نبوّة نبيّنا ونسبة السحر والشعر والجنون إليه عن جهل وعناد ولجاج . وأمثلة هذه القاعدة والآيات المرتبطة بها أكثر من أن تحصى ، وكلمات أصحابنا مشحونة من الاستدلال بهذه القاعدة في فتاواهم واستظهاراتهم من الآيات والروايات . وقد تعرّض الزركشي لذكر كثير منها . « 4 » وسيأتي تفصيل ذلك في الحلقة الثانية ، إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) الأنبياء : 7 . ( 2 ) التنقيح / كتاب الاجتهاد والتقليد : ص 89 - 90 . ( 3 ) الأنبياء : 7 . ( 4 ) راجع البرهان : ج 1 ، ص 38 - 50 .