محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

8

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

واسكنه كما تقوله لمن تعرض عليه دارا ينزلها سكنى ، فتقول : اسكن هذه الدار ، واصنع ما شئت فيها من الصناعات ، معناه : ادخلها ساكنا لها ، فافعل فيها كذا وكذا ، فعلى هذا الوجه قوله تعالى في سورة الأعراف : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا بالفاء الحمل على هذا المعنى في هذه الآية أولى ؛ لأنه عز من قائل لما قال لإبليس : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً « 1 » فكأنه قال لآدم : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فقال : اسْكُنْ يعني : ادخل ساكنا ليوافق الدخول الخروج ، ويكون أحد الخطابين لهما قبل الدخول ، والآخر بعده ، مبالغة في الإعذار وتوكيدا للإنذار ، وتحقيقا لمعنى قوله عز وجل : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ . الآية الثانية قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ « 2 » وقال في هذه السورة بعد العشرين والمائة : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ « 3 » فقدم في الأول قبول الشفاعة على أخذ الفدية ، وفي الثاني قبول الفدية على نفع الشفاعة ، والوجه في الأول أنه لما قال : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً بمعنى : لا يغني أحد عن أحد شيئا فيما يلزمه من العقاب ، ولا يكفر سيئاته ماله من الثواب ، وهو كقوله عز من قائل : وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً « 4 » فهذه الأشياء التي ذكر في الآية امتناع وقوعها في الآخرة أربعة أنواع يتلقى بها المكاره ، ويداوي بها الشدائد ، ألا ترى العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة ، وارتهنت نفسه بعظيمة ، وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه وتخليصه منه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية ، فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته وجلده ، فإن رأى من لا قبل له بممانعته ، ولا بدّ له من مدافعته ، عاد بوجوه الضراعة وصنوف المسألة والشفاعة ، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان ، ولم تنجه الخلتان من الخشونة والليان ، لم يبق بعدهما إلا فداء الشيء بمثله ، وفكه من الأسر بعد له إما بمال وإما غيره ، فإن لم تغن هذه الثلاثة في العاجلة تعلل بما يرجوه من نصر في

--> ( 1 ) سورة : الأعراف ، الآية : 18 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 123 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 48 . ( 4 ) سورة : لقمان ، الآية : 33 .